فهرس الكتاب

الصفحة 2168 من 9994

عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصره فنكّس، فجعل ينكت بمخضرته، ثم قال: (( ما منكم من أحدٍ، ما من نفسٍ منفوسةٍ إلاّ كُتب مكانها من الجنة والنار، وإلاّ كُتب شقيّة أو سعيدة ) )، فقال رجلٌ: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: (( أما أهل السعادة فيُيسّرون لعمل السعادة، وأمّا أهل الشقاوة فييسّرون لعمل أهل الشقاوة ) )، ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى E وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} .

3-استخراج ذريّة آدم من ظهره بعد خلقه، وقسمهم إلى فريقين: أهل الجنة، وأهل النار:

عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان ـ يعني: عرفة ـ فأخرج من صلبه كل ذريّة ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذّر، ثم كلمهم قِبلا قال: {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَاذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف:172-173] ) ).

وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذريته بيضاء كأنهم الذّر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذريّة سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي ) ).

4-كتابة أجل الإنسان وعمله ورزقه وشقي أو سعيد وهو جنين في رحم أمّه:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: (( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، ويُقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقيٌ أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل النار فيدخل النار ) ).

ج- ومراتب القدر:

الإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين:

فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً، وعلم جميعَ أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، (( فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ) )، فما أصاب الإنسانَ لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام، وطويت الصحف، كما قال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاء وَالأرْضِ إِنَّ ذالِكَ فِى كِتَابٍ إِنَّ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج:70] وقال: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:22] .

وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملةً وتفصيلاً، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ونحو ذلك، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدريّة قديماً، ومنكره اليوم قليل.

وأما الدرجة الثانية: فهو مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلاّ بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلاّ ما يريد، وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات.

فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلاّ الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره ولا رب سواه. ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة؛ والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ b وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:28-29] .

فهي إذاً أربع مراتبٌ وهي إجمالاً:

الأولى: العلم، أي: أن الله علم ما الخلق عاملون بعمله القديم.

الثانية: الكتابة، فالله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت