فهرس الكتاب

الصفحة 2162 من 9994

أيها المؤمن: إيمانك بقضاء الله وبقدره يثمر لك أنك مخاطب بالعمل (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) ) [2] ، وتأمل قول الله جل و علا: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى [الليل:5-7] فرتب التيسير على العمل الصالح، على الإعطاء والتصديق، وكذلك رتب التعسير على التكذيب والاستغناء وعدم البذل، وهذا يعطيك أن إيمانك بقضاء الله وقدره لا يجعلك لا تعمل، بل تعمل وتتوكل على الله جل وعلا، ثم بعد ذلك أنت مؤمن بقضاء الله وبقدره.

ومن ثمرات إيمان المؤمن بقضاء الله وبقدره أن يعلم المؤمن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذا يجعله في طمأنينة وبرد وسلام فيما يحدث له.

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر أن يعلم المؤمن أن حكمة الله ماضية، وأن الأمور لا يجرها حرص الحريص، وأن عمل الناس لا يجر الأشياء، وإنما العمل سبب، وقضاء الله وقدره نافذ، وحكمته بالغة، فيجعل المؤمن يعمل كما أمره الله، ثم هو يرى الأمور بأن قضاء الله وقدره نافذ لا محالة.

فمثلاً ينظر إلى ما فيه المسلمون مثلاً اليوم بما هم فيه من نكبات وما هم فيه من ضعف وعدم عزة وما هم فيه من هوان ينظر إلى ذلك أنه يوجب عليه أن يعمل لنصرة الإسلام ولنصرة دين الله ولإعلاء كلمة الله، لكنه لا يسوغ له حال المسلمين أن يكون يائساً، وأن يكون متخاذلاً، أو أن يعمل أشياء لم يوجبها الشرع، لأن ذلك ليس مقتضى الإيمان الصحيح وليس مقتضى الشريعة وأيضاً ليس مقتضى الإيمان بحكمة الله تعالى.

فإذاً المؤمن إذا آمن فهو متوازن في عقيدته، متوازن في أعماله، متوازن في نظرته للأمور وهو مع ذلك كله يخاف لإيمانه بالقضاء والقدر، يخاف من الخواتيم، ويخاف من السوابق، وقد قال بعض السلف: ما أبكى العيون ما أبكاها الكتاب السابق. ينظر المؤمن إلى ما سبق أن كتبه الله فيبكي لا يدري ماذا كتب له، هل هو من أهل السعادة أم هو من أهل الشقاوة، فينظر إلى ذاك فتدمع عينه، ويسأل الله الثبات ويجاهد نفسه على الصلاح، وقال آخر من علماء السلف: ما أبكى العيون ما أبكاها سر الخواتيم. وقال آخر: قلوب الأبرار معلقة بالسوابق يقولون ماذا سبق لنا، وقلوب المحسنين معلقة بالخواتيم يقولون بماذا يختم لنا. وهذا هو حال المؤمن فإنه بقضاء الله وقدره بين مخافتين، بين أمر قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله خالق فيه.

وهذا من عجاب إيمان المؤمن بقضاء الله وقدره.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل الإيمان في قلوبنا يقينا وأن يجعلنا مطمئنين بالإيمان و أنه في قلوبنا كأمثال الجبال الراسيات، اللهم نسألك صدقاً في الإيمان وصدقاً في الأقوال وصدقاً في الأعمال اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً واجعلنا في أقوالنا وفي أعمالنا على ما تحب وترضى، واسمعوا قول الحق جل وعلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير [الحج:70] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري ح (50) مختصراً عن أبي هريرة ، وأخرجه مسلم ح (8) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

[2] رواه البخاري ح (4949) ، ومسلم (2647) .

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فيا أيها المؤمنون: إن أحسن الحديث كتاب الله، فخذوا العلم من كتاب الله، وإن خير الهدي هدي محمد بن عبد الله فاقتدوا بالمصطفى عليه الصلاة والسلام، وإن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة وعليكم بلزوم التقوى أينما كنتم، فبالتقوى رفعتكم وبالتقوى نجاتكم ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً [الطلاق:4] .

أيها المؤمنون: كثيرة الأسئلة التي يطرحها المسلمون حول القضاء والقدر، والذي يجب على المؤمن أن يسلم لقضاء الله وقدره قال علي: (القدر سر الله فلا تكشفه) أي لا تحاول كشفه فإنك لن تصل إلى شيء، القدر سر من أسرار الله ولا يمكن للمرء أن يصل إليه، فبهذا عليه أن يؤمن بما أوجب الله الإيمان به عليه أن يؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره، وأن لا ينازع القدر بقيل وقال وبسؤال، فإن كثرة السؤال منهي عنها، وإن الوساوس إذا كانت وساوس فإنها ربما كانت من الشيطان، فليدفعها المؤمن بقوة حتى يبقى له يقينه قوياً ثابتاً حتى لا يتردد ولا يكون في ريب لأن أمر القدر الأسئلة فيه كثيرة، وقد تردد أناس فيه فضلوا لأنه لا يمكن أن يعلموا حقيقة قدر الله وقضائه فهذا سر الله جل جلاله والأمر لله من قبل ومن بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت