ومن الإيمان بالقدر وهو ركن من أركانه أن يؤمن المؤمن أن الله جل وعلا خالق لكل شيء كما قال سبحانه: الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل [الزمر:62] والآيات في هذا المعنى كثيرة، فيؤمن المؤمن أنه لا يحصل شيء إلا والله تعالى خالقه، الحياة خلقها الله، والموت خلقه الله، والمرض خلقه الله يعني قدره، والحياة بأنواعها وبما اشتملت عليه خلقها الله جل وعلا وقدر ذلك، وكذلك كل ما ترى من أفعال العباد ومن الطاعات ومن المعاصي فإنه ليس شيء في الدنيا إلا والله جل وعلا خالقه: الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل.
إذا علمت ذلك أيها المؤمن وآمنت بذلك تبين لك أن الإيمان بالقضاء والقدر هو إيمان على مرتبتين:
إيمان بشيء سبق، وهو علم الله جل وعلا للأشياء وكتابته للأشياء في اللوح المحفوظ، وشيء حاضر تؤمن به، وهو أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، إذا أصابتك سراء علمت أنها من الله وإذا أصابتك ضراء علمت أنها من الله لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم وما يحصل إنما هو بمشيئة الله وبخلقه، ولهذا يسأل كثيرون ما الفرق بين القضاء والقدر؟ فيجيب أهل العلم أن القضاء هو ما قضي من القدر ووقع، لأن قضاء الشيء يعني انتهاءه كما قال سبحانه: فلما قضينا عليه الموت [سبأ:14] وكما قال جل وعلا: فاقض ما أنت قاض [طه:72] ونحو ذلك من الآيات التي تدل على أن القضاء هو وقوع الشيء وانتهاؤه.
وأما القدر فهو لما سبق في علم الله ولما كتب، فإذا وقع القدر صار قضاء، وهو قدر باعتبار الماضي، وهو قضاء باعتبار ما وقع وحل، إذا تبين لك هذا أيها المؤمن فاعلم أنه لا مكان في الإسلام لعقيدة الجبر، لا الجبر الظاهر ولا الجبر الباطن، بل الإنسان في الشريعة الإسلامية وفي عقيدة المسلم: الإنسان مخير، وليس مسيراً في الأمر والنهي، بل يختار: إما أن يختار طريق الخير وهديناه النجدين [البلد:10] وإما أن يختار طريق الشر قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها [الشمس:9-10] وعلم الله السابق وكتابته السابقة ليست جبراً، وإنما هي لقيام الحجة على العباد، وأنه لا يحصل شيء إلا والله جل وعلا عالم به لكمال علمه سبحانه: وكان الله بكل شيء عليماً [الأحزاب:40] .
أيها المؤمن: المؤمن المسدد موفق يوفقه الله جل وعلا، والعاصي يخذله الله جل وعلا، ولهذا يرى المؤمن الصالح أن كل خير عمله مع أنه اختاره، لكن الله وفقه إليه، أعانه عليه وسدده ويسر له سبيله، فيرى العبد المؤمن أنه مختار وأن الله أعانه ووفقه على عمل الصالحات، وأما غير المسدد، أما العاصي، وأما الفاجر، وأما المنافق، وأما الكافر فكل بحسبه فإن الله تركهم لأنفسهم ولم يعنهم لحكمته ولما اشتملت عليه أنفسهم من أمور وما اشتملت عليه أعمالهم كما قال سبحانه: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل [النساء:160-161] إذاً التوفيق جزاء للصالحات، والخذلان وترك المرء لنفسه وعدم إعانته للخير جزاء للسيئات، وما كان الله ليظلم العباد وما ربك بظلام للعبيد [فصلت:46] سبحانه وتعالى.
إذا تبين هذا لنا علمت أن عقيدة القضاء والقدر تجعل في قلوبنا برداً وطمأنينة بحيث إن المؤمن لا يأسى على ما فاته ولا يفرح بما آتاه الله كما قال الله جل وعلا: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير [الحديد:22] .
لكي لا يعني ذلك العلم بأن الأمور سابقة بقدر وأن المصائب بقدر وأن الكتاب سابق لم نؤمن به؟ ولم أوجب الله الإيمان به؟ أولاً لحق الله تعالى وللإيمان بأسمائه وصفاته ثم لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم [الحديد:23] فالذي يؤمن إيماناً حقيقياً بالقضاء والقدر لا يأسى على ما فاته من الدنيا لا يأسى على موت الناس لا يأسى على ذهاب المال لا يأسى على ذهاب المنزلة لا يأسى على الأذى لأنه يعلم أن الأمور بقضاء وقدر، وأن ما شاء الله كان، وأن ما لم يشأ لم يكن، وأن المؤمن إذا أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإذا أصابته ضراء فصبر كان خيراً له، ثم إنه لا يفرح بما أوتي لأن الفرح بغير الحق ذلك من خصال غير المؤمنين، فالمؤمن إذاً بقضاء الله وقدره يثمر إيمانه بالقضاء والقدر أنه في هذه الدنيا ليس بذي أسى وحزن على ما فاته وليس بذي فرح واختيال وفخر على ما آتاه الله تعالى، وتأمل ختام الآية حيث قال تعالى: ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور [الحديد:23] لأن الفرح بغير الحق يوجب الاختيال ويوجب الفخر وكما ترى في حال كثيرين من الأغنياء فإن غناهم أوجب لهم فخراً واستطالة واستغناء، وهذا والعياذ بالله ليس من خصال المؤمنين حقاً.