فهرس الكتاب

الصفحة 2076 من 9994

خطط الدين لسعادة الإنسان وتماسك مجتمعه مبتدئاً بنواة المجتمع وهي الأسرة، فنظم الزواج بين الرجل والمرأة بشكل يحفظ حق المرأة من شطط الرجال، إذا وجد، وجعل بين الزوجين حقوقاً وواجباتٍ (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها.... ) ). أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب [الجمعة] حديث رقم (853) ، وفي كتاب [الاستقراض] رقم (2278) ، وأخرجه أيضاً في كتاب [العتق] - [الوصايا] - [النكاح] - [الأحكام] . وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب [الإمارة] ، حديث رقم (1829) .)، إذا طبقها كل واحد منهما خيمت عليهما السعادة، وكذلك الأولاد فقد جعل لهم الحقوق على الوالدين وعليهم الواجبات تجاه الوالدين (قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً} . سورة العنكبوت: [الآية: 8] .) ، وعند استحالة تعايش الزوجين جعل التفريق بينهما ضرورياً لحماية بقية الأسرة مع التحذير أن هذا التفريق أبغض شيء إلى الله (قال صلى الله عليه وسلم:(( أبغض الحلال إلى الله الطلاق ) )رواه أبو داود في سننه في كتاب [الطلاق] ، حديث رقم (2178) .)، وأنه قد يجر عواقب وخيمة على أطفال الأسرة، فالتزام الزوجين بالمخطط الإلهي فيه سعادتهما واستقرارهما وسعادة الأبناء، وفي غير ذلك الدمار والانهيار.

والتكافل الاجتماعي عامل من عوامل تماسك المجتمع، فعلى صعيد الأفراد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به ) ) (رواه البزار والطبراني عن أنس.(كنز العمال: 9/53) .)، أما على صعيد المجتمع فقد فرض الإسلام على كل مسلم ملك حداً معيناً من أيِّ نوع من أنواع الثروة أن يخرج ما يسُمى زكاة تلك الثروة (قال تعالى:(( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ). سورة التوبة: [الآية: 103] .) وهي في أقلها اثنان ونصف بالمائة (2.5%) من الأغنياء إلى الفقراء، وللحاكم أن يفرض حقوقاً أخرى ما دام المجتمع بحاجة إلى ذلك حتى تكون الكفاية(

إن لم تفِ الزكاة بحاجات المسلمين، فيجوز لولي الأمر أن يفرض في أموال الأغنياء حقوقاً أخرى بحيث تسد حاجات المستحقين فقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزكاة، فقال: (( إنَّ في المال لحقاً سوى الزكاة ) )، ثم تلا قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة....} سورة البقرة: [الآية: 177] .

والحديث أخرجه الإمام الترمذي في سننه، كتاب [الزكاة] رقم الحديث (659) .

ووجه الاستدلال في الآية الكريمة: هو أن الله تعالى ذكر أمرين معطوفين على بعضهما. الأمر الأول {آتى المال على حبه ذوي القربى...} ، الأمر الثاني {آتى الزكاة} ، فدلَّ ذلك على أن الأول غير الثاني، لأن العطف يقتضي المغايرة.

(للتوسع، انظر: فقه الزكاة، للدكتور يوسف القرضاوي. جـ1/244 وما بعدها - جـ2/963 وما بعدها.)

وإذا تخلَّف الأغنياء عن إخراج الزكاة ضاعت حقوق الفقراء (وفي هذا يقول سيدنا علي كرَّم الله وجهه: ?إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحقٌ على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليهس. المحلى لابن حزم: 6/158.) ، فلجئوا إلى السرقة وقطع الطرقات والمافيات والجرائم المنظمة، هذا عدا الضياع وانتشار البطالة والأمراض في المجتمع.

وقديماً قيل عن الاشتراكية هي أن تعطى نصف الرغيف الذي معك بالقوة إلى غيرك وعينك عليه، أما في الدين فهي أن تعطي رغيفك إلى غيرك عن طيب نفس منك، وتبيت جائعاً وهو لا يعلم، وهي أعلى درجات العطاء وتسمى الإيثار، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ( سورة الحشر: [الآية: 9] .) .

لذا يتوجب على جميع أقطار العالم الغنية، أن تعمل على مساعدة الأقطار الفقيرة، مادياً وعلمياً، وخصوصاً أن كرتنا الأرضية اليوم أصبحت كقرية عالمية صغيرة.

ومن العوامل التي تدفع إلى شفاء المجتمعات من تفككها صلةُ الرحم، وصلة الرحم أن تبحث عن الأبوين أولاً، والأخوات والإخوة وأبناهما، وعن الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم، فتسعى في إصلاح الفاسد منهم، وتعين من يحتاج إلى معونة، وترعى من يحتاج إلى رعاية، وتزورهم، وتبقي على الصلة معهم، لا تمنعك مشاغل الحياة المادية عن هذه الواجبات، وكلما اشتدت درجة القرابة كان ذلك الواجب أشد، فتكسب بذلك رضاء الله ودعاء ذوي الأرحام، وقد جاء من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: (( من سرّه أن يُبسط له في رزقه أو يُنسأ له في أثره فليصل رحمه ) ) (رواه البخاري في صحيحه، في كتاب [البيوع] ، رقم الحديث(1961) .).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت