إن جفاف الينابيع الروحية عند كثير من الذين تصدوا لعملية التربية والتوجيه والتزكية، أفقدت الإنسان متعة الحياة الروحية، وجعلته يبحث عن المتع في ظل الحضارة المادية، من انغماس في شرب الخمر، ولعب القمار، وتعاطي المخدرات، وممارسة الجنس غير المشروع، دون أن تروي ظمأه للسعادة الحقيقية، بل زادته شقاءً وتعاسة بما جلبت له تلك الملذات من خسائر في المال والصحة والسمعة والضياع والأمراض (قال عز وجلَّ:(( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ) ). سورة طه: [الآية: 124] .).
وأخذت كثير من المجتمعات التي تعيش في أتون تلك الموبقات تفيقُ على هول ما صارت إليه، وتسعى للبحث عن مصادر سعادة حقيقية في ينابيع الدين، وأخذ الكثير يدرك أن الأديان السماوية هي من مصدر واحد، وذات هدف واحد هو سعادة الإنسان الذي هو ركيزة بناء المجتمع السليم.
والقرآن الكريم - وهو الكتاب السماوي الأخير والذي اشتمل على خلاصة ما جاءت به الكتب السابقة وما نادى به الأنبياء - وصفه الله عز وجل بأنه بصائر للناس يعينهم على كشف حقائق الأمور وينفي باطلها (قال سبحانه وتعالى: {هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقومٍ يؤمنون} . سورة الأعراف: [الآية: 203] .) .
والقرآن الكريم كتاب توحيد لله يدعو لدين الإسلام فهو يقول: {إن الدين عند الله الإسلام} (سورة آل عمران: [الآية: 2] .) أي: الاستجابة لله، لا التسمي باسم الإسلام والتوقف عند اللقب به، وهو دين شفاء البشرية (قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} . سورة الإسراء: [الآية: 82] .) ، ودين الرحمة للعالمين ( قال عز وجلَّ: {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين} . سورة الأنبياء: [الآية: 107] .) ، ولكنه في الوقت نفسه {لا يزيد الظالمين إلا خسارا} ( سورة الإسراء: [الآية: 82] .) ، فكيف يمكن للقرآن أن يكون داءً ودواءً في وقت واحد؟
سنضرب لذلك مثلاً: فالطعام مصدر غذاء للجسم السليم يهضمه ويحوله إلى طاقة، بينما يرفضه الجسم المريض وربما لا يقوى على تناوله، وكذلك كلما ارتقت النفس البشرية وخلصت النوايا كلما كانت أكثر انتفاعاً بأنوار القرآن ومعانيه، فيكون فيه شفاءٌ من كثير من أمراض النفس والقلب {في قلوبهم مرض} (سورة البقرة: [ الآية: 10 ] .) ، كالأهواء والوسوسة والقلق والحيرة والاكتئاب، وفيه شفاء من الطمع والحسد، وفيه عصمة للعقل من الشطط في التفكير، ويطلق له الحرية في المجالات المثمرة ضمن منهج سليم، بالإكثار من التذكير والتبصير والتقويم والتوجيه
دعا القرآن الناس للتفكر وإعمال العقل، مع تنوع الخطاب القرآني في ذلك: فمرَّةً يستعمل لفظ النظر: {فلينظر الإنسان مم خُلق} . سورة الطارق: [الآية: 5] . ومرة يستعمل لفظ التبصر: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} سورة الذاريات: [الآية:21] .
وأحياناً يستخدم التفكر: (( وسخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون ) )سورة الجاثية: [الآية: 13] . وقد يستخدم لفظ التذكير: {قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} سورة الأنعام: [الآية: 126] .
وأحياناً يدعو إلى الاعتبار: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} سورة الحشر: [الآية: 2] . وأحياناً يحثًّ على التفقه: {انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون} سورة الأنعام: [الآية: 65] ..
والتركيز على الإسلام والقرآن الكريم لا يعني إلغاء الديانات السماوية الأخرى، بل هو إحياء وتجديد للرسالات الإبراهيمية المصفاة من خلال القرآن الكريم.
فقد أرسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى حاكم مصر (المقوقس) ، فكان مما قاله ذلك الرسول للمقوقس: (( لسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به ) ) (هذا من كلام حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في حواره مع المقوقس، وكان حاطبُ رسولَ نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى حاكمِ مصر، ليدعوه إلى الإسلام. انظر: زاد المعاد، لابن قيم الجوزية: 3/691، تحقيق: الشيخ شعيب والشيخ عبد القادر أرناؤوط، طبع مؤسسة الرسالة.) فقال المقوقس: (نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه) (المرجع السابق: 3/691.) .
وفي حوار بين ملك البحرين، وبين رسول النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليه، قال ملك البحرين: (قد نظرت في هذا الأمر الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فرأيته للدنيا والآخرة، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنيةُ الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وأعجب اليوم ممن يردُّه) (الروض الأنف للسهيلي: 2/250 - طبعة دار الفكر، بيروت.)
والجدير بالذكر أنَّ الرسول الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك البحرين ليدعوه إلى الإسلام هو العلاء ابن الحضرمي، وقد كتب لله على يديه إسلام ملك البحرين (المنذر بن ساوى) .
ومادام القرآن الكريم قد اشتمل على معظم ما جاءت به الرسالات الإبراهيمية، فدعونا نعرض برامجه التي فيها شفاء للبشرية ورحمة للعالمين.
أولا: على صعيد الأفراد والصحة العامة: