إن من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها - الحساب- ومعناه أن الله - سبحانه وتعالى - سيعدد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة، ويعدد عليهم نعمه، ويشمل الحساب ما يقوله الله لعباده، وما يقولونه له، وما يقيمه عليهم من حجج وبراهين، وشهادة الشهود، ووزن الأعمال.
والحساب منه العسير، ومنه اليسير، ومنه التكريم، ومنه التوبيخ والتبكيت، ومنه الفضل والصفح، ويتولى ذلك أكرم الأكرمين1.
ولنعش سويًا مع الإمام القرطبي - رحمه الله -حيث يصور لنا مشهد الحساب فيقول: فإذا بعثوا - أي العباد- من قبورهم إلى الموقف، وقاموا فيه ما شاء الله، حفاة عراة، وجاء وقت الحساب الذي يريد الله أن يحاسبهم فيه، أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون، بذكر أعمال الناس فأتوها، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه، فأولئك هم السعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله أو وراء ظهره، وهم الأشقياء، فعند ذلك يقرأ كل كتابه؛ وأنشدوا:
مثل وقوفك يوم العرض عريانًا ... ... مستوحشًا قلق الأحشاء حيرانا
والنار تلهب من غيظ ومن حنق ... ... على العصاة ورب العرش غضبانا
اقرأ كتابك يا عبدي على مهل ... ... فهل ترى فيه حرفًا غير ما كانا
لما قرأت ولم تنكر قراءته ... ... إقرار من عرف الأشياء عرفانا
نادى الجليل خذوه يا ملائكتي ... ... امضوا بعبد عصى للنار عطشانا
المشركون غدًا في النار يلتهبوا ... ... والمؤمنون بدار الخلد سكانا
فتوهم نفسك - يا أخي- إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، وقد نوديت باسمك على رؤوس الخلائق: أين فلان بن فلان؟ هلم إلى العرض على الله - تعالى-، وقد وكلت الملائكة بأخذك، فقربتك إلى الله، لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك واسم أبيك، إذا عرفت أنك المراد بالدعاء، إذا قرع النداء قلبك، فعلمت أنك المطلوب، فارتعدت فرائصك، واضطربت جوارحك، ونغير لونك، وطار قلبك؛ خطى بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم، وأنت في أيديهم وقد طار قلبك واشتد رعبك لعلمك أين يراد بك.
فتوهم نفسك وأنت بين يدي ربك في يدك صحيفة مخبرة بعملك لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأة خبأتها، وأنت تقرأ فيها ما فيها بلسان كليل، وقلب منكسر، والأهوال محدقة بك من بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكركها، وكم من سيئة قد كنت أخفيتها قد أظهرها وأبداها، وكم من عمل أملك فيه عظيمًا، فيا حسرة قلبك ويا أسفك على ما فرطت فيه من طاعة ربك {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} فعلم أنه من أهل الجنة {فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ} وذلك حين يأذن الله فيقرأ كتابه.
فإذا كان الرجل رأسًا في الخير يدعو إليه ويأمر به ويكثر تبعه عليه، ودعي باسمه واسم أبيه فيقدم؛ حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض في باطنه السيئات وفي ظاهره الحسنات، فيبدأ بالسيئات فيقرؤها فيشفق ويصفر وجهه، ويتغير لونه، فإذا بلغ آخر الكتاب، وجد فيه هذه سيئاتك وقد غفرت لك، فيفرح عند ذلك فرحًا شديدًا، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته، فلا يزداد إلا فرحًا شديدًا، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته، فلا يزاداد إلا فرحًا، ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ويكسى حلتين، ويحلى كل مفصل فيه، وبطول ستين ذراعًا هي قامة آدم، ويقال له: انطلق إلى أصحابك فبشرهم وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا؛ فإذا أدبر قال: {هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاقٍ حسابية} قال الله: {فهو في عيشةٍ راضية} أي مرضية قد رضيها {في جنة عالية} في السماء {قطوفها} ثمارها وعناقيدها {دانية} أدنيت منهم، فيقول لأصحابه هل تعرفونني؟ فيقولون: قد غمرتك كرامة الله من أنت؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان يبشر كل رجل منكم بمثل هذا {كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية} أي قد متم في أيام الدنيا.
وإذا كان الرجل رأسًا في الشر يدعو إليه ويأمر به، فيكثر نبعه عليه، ونودي باسمه واسم أبيه، فيتقدم إلى حسابه فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرؤها ويظن أنه سينجوا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك وقد ردت عليك، فيسود وجهه ويعلوه الحزن، وتقنط من الخير، ثم يقلب كتابه فيقرأ سيأته فلا يزداد إلا حزنًا ولا يزداد وجهه إلا سوادًا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك، أي يضاعف عليه العذاب، وليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل.. فينظر إلى النار وتزرق عيناه، ويسود وجهه، ويكسي سرابيل القطران، ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا فينطلق وهو يقول: {يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية} يعني الموت {هلك عني سلطانيه} .. {خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه} 2 . والله أعلم بأي ذراع.. وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فتخلع كتفه اليسرى، فتجعل يده خلفه فيأخذ بها كتابه، قال مجاهد: يحول وجهه في موضع قفاه فيقرأ كتابه كذلك.
فتوهم نفسك إن كنت من السعداء، وقد خرجت على الخلائق مسرور الوجه، قد حلّ لك الكمال والحسن والجمال، كتابك بيمينك، آخذ بضبعك ملك ينادي على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا.
أما إن كنت من أهل الشقاوة، فيسود وجهك، وتتخطى الخلائق، كتابك في شمالك أو من وراء ظهرك، تنادي بالويل والثبور، وملك آخذ بضبعك ينادي على رؤوس الخلائق: إلا أن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا 3.
ويصف ذلك الموقف الرهيب الإمام حافظ حكمي -رحمه الله - فيقول:
واحضروا للعرض والحساب ... وانقطعت علائق الأنساب
وارتكمت سحائب الأهوال ... وانعجم البليغ في المقال
وعنت الوجوه للقيوم ... واقتص من ذي الظلم للمظلوم
وساوت الملوك للأجناد ... وجيء بالكتاب والأشهاد
وشهدت الأعضاء والجوارح ... وبدت السوآت والفضائح
وابتليت هنالك السرائر ... وانكشف المخفي في الضمائر
ونشرت صحائف الأعمال ... توخذ باليمن والشمال
طوبى لمن يأخذ باليمين ... كتابه بشرى بحور عين
والويل للآخذ بالشمال ... وراء ظهر للجحيم
أخي الحبيب اعلم - علمني الله وإياك - أن الحساب يكون على أمور كثيرة منها:
1-الفرائض من صلاة وزكاة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال:"إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال يقول ربنا - جل وعز - لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم"4.
2-الدماء وسفكها بغير حق، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء""5."
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركا أو يقتل مؤمنا متعمدا"6.
3-العمر والمال والجسم والعلم، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه"7.