إن بلادة الألفة قد تنسى الإنسان أن يتفكر في آيات الله جل وعلا ، في هذه القبة السماوية الزرقاء مع أنك لو نظرت إليها بعين التدبر والتفكر لوجدت رب الأرض والسماء رفعها بغير عمد ترونها وزينها بالكواكب ، والنجوم ، والشموس والأقمار ، إنه جمال متجدد متعدد بالألوان من ليلة مظلمة ، لليلة صافية لشروق ، لصباح ، لليلة باردة ، لليلة حارة ، جمال متجدد جمال متعدد .
انظر إلى هذه الآية لتتعرف على عظمة الخالق جل جلاله ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) (الذريات/47) ، وقال تعالى: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) (الواقعة/76) وقال تعالى: ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ) (قّ/6) .
تدبر ، انظر إلى هذه النجمة الوحيدة التي انفردت بعيدا بعيدا وحدها في أفق السماء وكأنها عين طفلة جميلة تلتمع بالبراءة والصفاء ، ثم انظر إلى هاتين النجمتين المنفردتين كأن كل واحدة منها تناجى الأخرى ، ثم انظر إلى هذه المجموعة المتضامنة المتشابكة ، وكأنها قد انضمت إلى بعضها البعض في عرس بهيج سعيد جميل .
انظر إلى هذه الآيات لتتعرف على عظمة رب الأرض والسماوات ثم انظر إلى الشمس ، وانظر إلى القمر ( وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ(37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) (يّس/38) ، ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) (يّس/40)
لقد قال رئيس أكاديمية العلوم في نيويورك: لقد توصلنا بعد عديد من التجارب والدراسات أن هذا الكون كان نتيجة عملية خلق مبدعة ، نعم إنه كتاب مفتوح يملأ القلب بالإيمان بالله ، بمعرفة الله تعالى .
الشمس والبدر من لآثار قدرته ... ... والبر والبحر فيض من عطاياه
والطير سبحه والوحش مجده والموج كبره والحوت ناجاه
والنمل تحت الصخور الصم قدسه والنحل يهتف حمدا في خلاياه
والناس يعصونه جهرا فيسترهم والعبد ينسى وربى ليس ينساه
أيها الأحبة في الله: لو ترك القمر مداره الذي يدور فيه وحدده له مدبر الكون ، لو ترك القمر مكانه إلى أعلى أو إلى أسفل قليلا ، لاختلت حركة المد والجزر على ظهر الأرض ، وغرق كل حي على سطح الأرض ، ولو تركت الشمس مدارها وابتعدت عن مدارها قليلا إلى أعلى ، أو إلى أسفل لو ارتفعت قليلاً لتجمد كل حي على ظهر الأرض، ولو نزلت إلى الأرض عن مدارها قليلا لاحترق كل حي على ظهر الأرض .
ألم تقرأ معي قول الله تعالى: (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) ( يس/37) آيات ، انظر إلى السماء لتتعرف على عظمة رب الأرض والسماوات ثم ها هو القرآن ينقلنا من آيات السماء إلى جنبات الأرض وهذا هو عنصرنا الثالث بإيجاز .
مع القرآن الكريم في آفاق الأرض:
هذه الأرض التي نعيش عليها ونحيا ، ربما نسينا كثيرا ما أودع الله فيها من آيات تأخذ بالقلوب والألباب ، لأنني كما ذكرت أن بلادة الألفة قد تنسى الإنسان آيات الله الكثيرة معه في هذه الأرض ( وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ(33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) (يّس/33-36) ، وقال سبحانه: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15) .
نعم إن الأرض دابة ذلول ، بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ ، إن الأرض دابة ذلول، ولكنها في الوقت ذاته دابة حلوب تدر على أهلها من الخيرات والنعم ما لا يعد ولا يحصى ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) (ابراهيم/34)
سل الواحة الخضراء والماء جارياً... ... وهذه الصحارى والجبال الرواسيا
سل الروض مزداناً سل الزهر والندى سل الليل والإصباح والطير شادياً
وسل هذه الأنسام والأرض والسما وسل كل شئ تسمع التوحيد سارياً
فلو جن هذا الليل وامتد سرمدا فمن غير ربى يرجع الصبح ثانيا
أَإِلَهٌ معَ الله ؟ أَإِلَهٌ معَ الله ؟ ... ... ...
انظر لتلك الشجرة ... ... ذات الغصون النضره
كيف نمت من حبه وكيف صارت شجره
ابحث وقل من ذا الذي يخرج منها الثمره
ذاك هو الله الذي أنعمه منهمره
ذو حكمة بالغه وقدرة مقتدره
وانظر لتلك الشمس التي جذوتها مستعره
فيها ضياء وكذا حرارة منتشرة
ابحث وقل من ذا الذي يخرج منها الشرره
ذاك هو الله الذي أنعمه منهمره
ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدره
لقد أثبت العلم الحديث أن الأرض تلك الدابة الذلول المذللة المسخرة ، أثبت العلم الحديث أن الأرض تدور حول نفسها بسرعة مذهلة تصل إلى (1000) ميل في الساعة .
تصور .. وأنت لا تشعر بهذه الحركة ، لأنها ذلولة مذللة تدور حول نفسها بسرعة تقدر بـ (1000) ميل في الساعة الواحدة ، وتدور الأرض حول الشمس بسرعة تقدر بحوالي (65000) ميل في الساعة الواحدة ، ثم تدور مع المجموعة الشمسية دورة أخرى كاملة بسرعة تقدر بـ (20000) ميل في الساعة الواحدة وراكبها لا تتمزق أشلاؤه ، ولا تتحطم أعضاؤه ، لأنها دابة ذلول ذللها ربنا جل وعلا وسخرها لبنى الإنسان ليعيش عليها هانئاً آمناً مطمئناً وفي الوقت ذاته ربما يتجرأ بالكفر بالله جل وعلا وربما يتجرأ على معصية الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
هذه الأرض أيها الأحبة مشحونة بالآيات التي يجب علينا أن ننظر فيها ، وأن نتفكر فيها لنتعرف من خلال هذه الآيات على الخالق - رب الأرض والسماوات - ليتجدد إيماننا في قلوبنا ولنزداد حبا ومعرفة لربنا تبارك وتعالى .
وها هو القرآن ينتقل بنا من آفاق الأرض إلى مراحل الخلق .
أيها الحبيب: هل عرفت أصلك وكيفية خلقك ؟ قال تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) (المؤمنون/12) هذا من حيث الأصل ( ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون/13-14)
يلتقي الرجل بامرأته في الحلال الطيب ، فيلقى نطفته ، تلك النطفة التي تحتوى على مئات الملايين من الحيوانات المنوية ، فتتسابق كل هذه الملايين من الحيوانات المنوية لتصل إلى عروس واحدة .