فهرس الكتاب

الصفحة 9902 من 9994

طفل يبكي يحرك قلب الحاكم، طفل يبكي مع أمه! مع أقرب الناس إليه! فيتحرك له قلب الحاكم ! قلب أمير المؤمنين ! قلب حاكم الدولة يتحرك لبكاء طفل بين أحضان أمه ، لا أقول بين أحضان القنابل والطائرات والدبابات والرشاشات بين أحضان أمه ! فيقترب عمر ويقول: أتق الله وأحسني إلى صبيك ، ثم ينصرف لصلاته ، وبعد فترة يسمع بكاء الصبي فيرجع إلى المرأة ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك ، فإني أراك أم سوء فقالت: يا عبد الله لقد أبرمتني منذ الليلة (( تعني: لقد أزعجتني - وهي لا تعرف من تخاطب ثم- قالت: إني أُكره ولدي على الفطام كرهاً ، فقال عمر: لم تستعجليه ؟ فقالت: لأن عمر بن الخطاب لا يبرم عطاءً إلا للفطيم ،فبكى عمر وانخلع قلبه لهذه الكلمة ، و عاد يجر ثوبه يبكي- ، يقول عبد الرحمن بن عوف: ما عرف الناس قراءته في صلاة الفجر من شده بكائه ، الله أكبر !! ، و بعدما سَلَّم و أنتهي من صلاته قبض لحيته وبكى و قال: ويل لعمر.. يا بؤساً لعمر.. كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين ؟! فلتسمع الدنيا ، فليسمع قادة الغرب وليسمع قادة المسلمين ، كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟.. الله أكبر ، ثم يأمر عمر بن الخطاب أن يمشي بين الناس و يقول: لا تستعجلوا صبيانكم في الفطام فإنا نبرم العطاء لكل من ولد في الإسلام منذ أول يوم إنها عظمة الإسلام .. أنها الإنسانية الفذة يا عباد الله .. أنها صورة سامقة .. مهما أوتيت من البلاغة والفصاحة فلم استطع ولن أستطيع أن أجسد لحضراتكم هذه النّزعة الإنسانية التى جاء بها الإسلام ، والتى أًصَّل قواعدها وأسس بنيانها محمد عليه الصلاة والسلام ، وأكتفى بهذا القدر لأُعَرَّجَ على بقية العناصر في عجالة سريعة بعد جلسة الاستراحة ، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم .

الخطبة الثانية:

إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

أما بعد:

فيا أيها الأحبة: رابعاً:الحضارة الإسلامية والنّزعة الأخلاقية:

ستعجب إذا قلت لك أيها الحبيب: بأن الإسلام كان فريداً في أخلاقه حتى عَلَى أرض المعارك وفى ميادين الحروب ، مع أن رؤية الدم تثير الدم ، ومع أن القتال يثير الحمية في النفوس والاتتقام ، وبالرغم من ذلك له أقول: إن الإسلام كان فريداً في أخلاقه حتى في ميادين القتال والحروب ، الله أكبر ! يغضب النبى صلى الله عليه وسلم حينما يرى أمرأة قد قتلت في الميدان ، ويأمر الصحابة ألا يفعلوا ذلك ، ويأمر الصديق جيش أسامة ويقول: لا تقتلوا شيخاً ، ولا امرأة ، ولا رجلاً تفرغ للعبادة في صومعته ، ولا تقطعوا شجرة ، ولا تذبحوا بقرة إلا للأكل ، هذه مُثُلُ الإسلام حتى في عالم الحروب والمعارك ، بل ولا يعلم التاريخ أحداً فُعلَ به من الأذى والأضطهاد مثل ما فُعلَ بنبينا: وأذى في مكة ، ووضع التراب على رأسه ، ووضعت النجاسة على ظهره ، خنق حتى كادت أنفاسه أن تخرج ، وطرد من بلده ، وحرم من بيته وماله ، وأوذى أصحابه أشد الإيذاء وبالرغم من ذلك لما ترك وطنه وبلده وهاجر إلى المدينة ما تركه المشركون حتى في المدينة بل جردوا عليه السيوف ، ولما عاد النبى صلى الله عليه وسلم منتصراً في يوم فتح مكة وقف أهل مكة جميعاً بين يديه قال لهم صاحب الخلق: (( مَا تَظُنوُّنَ أَنِّى فَاعِلٌ بِكُمْ ) )قالوا: أخ كريم وأبن أخ كريم ، فقال: (( أَقُولُ لَكُمْ مَا قَالَهُ أَخِى يُوسُف لأخْوِتَهِ: لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْم ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاء ) ) (1) وللأمانة العلمية أقول: إن هذا الحديث سنده ضعيف ، سبحان الله ! حتى في هذه الأوقات الحرجة انظروا إلى أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم ، عاد من الطائف بعد أن رُمِىَ بالحجارة وطُرِدَ وَفَعَلَ به أهل الطائف أبشع ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان ، وقيل له: ادعُ على المشركين يا رسول الله: فماذا قال صاحب الخلق حتى في هذه الأوقات التى قد يميل القلب فيها إلى التشفى والانتقام إذ أن الإنسان يشعر بالظلم ، وبالرغم من ذلك يقول: (( إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِى فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُون ) ) (2)

وطبق صحابته الكرام هذه المبادئ أعظم تطبيق شهدته الأرض وعرفه التاريخ ، الله أكبر ! انظروا ماذا فعل المسلمون يوم أن امتدت الفتوح الإسلامية إلى بلاد سمرقند في عهد عمر بن عبد العزيز ، وأرسل حاكم سمرقند رسالة إلى قاضى القضاة يخبره بأن الفتح الإسلامى لسمرقند فتح باطل ، لأنهم دخلوا عليهم عنوة ، ولم يفرضوا عليهم جزية ، ولم ينذروهم بالقتال ، وأرسل قاض قضاة إلى عمر بن عبد العزيز ليخبره بذلك ، فما كان من عمر إلا أن أمر قائد الجيوش في سمرقند بالانسحاب فوراً ، ولما علم أهل سمرقند أن الجيش قد أنسحب بأمر أمير المؤمنين عمر خرج أهل سمرقند عن بكرة أبيهم بين يدى الجيش الفاتح المنتصر ليعلنوا جميعاً شهادة أن لا أله إلا الله وأن محمداً رسول الله .

إن تاريخ الحروب الإسلامية تاريخ مشرق فليقرأ التاريخ وليقف الناس جميعاً أمام عبر هذا التاريخ ، وأنتم تعلمون ما فعله صلاح الدين بالصليبيين ، أتعلمون أنه قَدَّم طبيبه الخاص في أرض المعركة ليعالج قائد الحملة الصليبية حين وصل إلى علمه أنه مريض ولا يوجد من يبذل له الدواء والعلاج ؟‍‍!! أى أخلاق هذه أخوة الإسلام ؟!!

ولما صرخت أمرأة نصرانية ورمت بنفسها على خيمة صلاح الدين في الليل وسألها ما الخبر ؟ فأخبرته أن أحد أفراد الجيش الإسلامى قد أخذ ولدها ، فأمر صلاح الدين أن يرد الجيش بأى سبيل هذا الطفل ، ولم يهدأ حتى اطمأن بنفسه أن المرأة قد رُدَّ إليها طفلها .

وتعلمون ما فعله محمد الفاتح بالنصارى الصليبيين في كنيسة آل صوفيا حينما فتح القسطنطينية ، فعل ما سيقف أمامه التاريخ وقفة إعزاز وإجلال وإكبار ، فاقرءوا التاريخ فإن الوقت لا يتسع لما فعله هؤلاء الأطهار الأبرار حتى في المعارك والحروب والميادين ، فالإسلام ضرب أروع الأمثال حتى في أرض المعارك التى تثير فيها رؤية الدم الدماء ، وينتشى القادة الفاتحون بسكرة النصر للتشفى والانتقام ، ولكنه لم يحدث في ظل حضارة الإسلام التى أسس أصولها وأسس بنيانها محمد .

وأخيراً أيها الأحبة أقول: حضارة الإسلام والرفق بالحيوان:

إن الإسلام هو الذى أصَّل أصول الرفق بالحيوان .. قبل أن تتغنى أوربا وأمريكا بجمعية الرفق بالحيوان ، ففى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ) ) (1)

هذا هو الإسلام قبل أن تتغنى أمريكا وأوربا بالرفق بالحيوان ، بل وفى الصحيح (( أَنَّ بَغِيًّا - أمرأة زانية - مِنْ بَغَايَا بَنِى إسْرَائيل مَرّتْ عَلَى كَلْبٍ يَلَهَثُ الثَّرَى مِنْ شِدَّة الْعَطَشِ فَنَزَعَتْ مُوقِهَا - خُفَّهَا - وَمَلأَتْهُ مَاءً مِنَ البِئْرِ فَسَقَتْهُ فَغَفَرَ الله لَهَا بِهِ ) ) (2)

وأنا أقول أيها الأحبة: إذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا ، فكيف تصنع الرحمة بمن وحد رب البرايا ؟!!

من أجل كلب غفر الله لبغى من بغايا بنى إسرائيل .. هذا هو الإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت