فهرس الكتاب

الصفحة 9894 من 9994

ونعد إلى رواية الصحيحين خرج النبى صلى الله عليه وسلم إليه قال: (( مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامًةُ ؟ ) )فقال: عندى يا محمد خيرٌ إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ، فتركه النبى صلى الله عليه وسلم حتى كان الغد . ثم خرج النبى صلى الله عليه وسلم فقال: (( مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامًةُ ؟ ) )قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر ، وإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ، فتركه رسول الله حتى كان من الغد فقال: (( مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامًةُ ؟ ) )فقال: عندى ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر ، وإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت . فقال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: (( أَطْلِقُوا ثُمَامًةُ ) )، فأطلقه أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ، فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد النبوى ، فاغتسل ، ثم دخل المسجد ، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وقال: يا محمد والله ما كان على الأرض وجهٌ أبعض إلىّ من وجهك ، فقد أصبح وجهُك أحب الوجود كُلها إلىّ ، والله ما كان من دين أبغض إلىّ من دينك ، فأصبح دينك أحب الدين كله إلىّ ، والله ما كان من بلد أبغض إلىّ من بلدك ، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلىّ ، وإن خيلك أخذتنى وأنا أريد العمرة فماذا تأمرنى ؟. فبشره النبى صلى الله عليه وسلم - قال الحافظ ابن حجر: بشره بخيرى الدنيا والآخرة أو بشره بالجنة أو بشره بتكفير سيئاته لأن الإسلام يهدم ما قبله - .

بشره رسول الله وأمره أن يعتمر ، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت ؟ (أى هل تركت دين آبائك وأجدادك وتبعت محمد على دينه ؟) قال: لا ولكنى أسلمتُ مع رسول الله والله لا يأتيكم من اليمامة حبةُ حنطةٍ (أى حبة قمح) حتى يأذن فيها رسول الله (1

وفى رواية ابن هشام: أن ثمامة لما وصل بطن مكة رفع صوته بالتلبية فكان أول من لبى وجهر بالتلبية في مكة فيما رأى المشركون رجلاً يتحداهم بهذه الصورة العلنية الجريئة قالوا: من هذا الذى يجترى علينا ويرفع صوته بالتلبية في بلادنا وديارنا ويردد الكلمات التى يُعَلِمُهَا محمدٌ لأصحابه ؟! فانقضوا عليه وأرادوا أن يضربوا رأسه ، فقال أحدهم: ألا تعرفون من هذا إنه ثمامة ابن أثال سيد أهل اليمامة وأنتم تحتاجون إلى اليمامة في طعامكم فخلوا سبيل الرجل ، فالتفت إليهم وقال: والله لا يأتينكم حبة من حنطة من اليمامة إلا بإذن رسول الله .

أيها الأحبة الكرام ...

أنه مشهد بالغ الروعة اعترف بداية أننى أعجز عن أن أصور لحضراتكم روعته وعظمته وجلاله ، فرسول الله هو الرحمة المهداة والنعمة المسداه ، لا للموحدين فحسب بل للعالمين قال تعالى: َمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الانبياء:107] .

قال ابن عباس رضى الله عنهما: رسول الله رحمة للبار والفاجر فمن آمن به تمت له النعمة ، وتمت له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن كفر أمن من عذاب الدنيا حتى يلقى الله في الآخرة مصداقاً لقول الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33] .

وفى الصحيحين - وتدبر هذا الحديث - عن عائشة قالت: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( لقدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ) )وهو شريف من أشراف أهل الطائف ولكنه رفض دعوة النبى صلى الله عليه وسلم وسلط الصبيان والسفهاء على الحبيب ورموه بالحجارة حتى سالت الدماء من جسده الطاهر يقول: (( فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وأنا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ ) )مكان يبعد عن الطائف بما لا يقل عن خمسة كيلو مترات ، ولم يستفق النبى صلى الله عليه وسلم من همه وألمه إلا في هذا الموطن ودماؤه تنْزف يقول: (( فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ ، قَالَ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، فقال: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ . فَمَا شِئْتَ ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ ) )فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: (( بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) ) (1) وفى رواية لما قيل أدع على المشركين قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( (( إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ) ).

أيها المسلمون: تدبروا كيف حَوَّل الرفق والإحسان من رسول الله البُغض المتأصل في قلب ثمامة إلى حب جياش فياض!! . ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة خرج إلى مكة ليعتمر ليقول: لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك . تملكه وما ملك ، فأبى الله جل وعلا إلا أن يلبى تلبية الموحدين ، فسبحان من بيده القلوب بحولها كيف يشاء قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] .

ثمامة أُسر ورُبط في المسجد وهنا ترجم عليه البخارى باباً يُجوّز فيه أن يدخل المشرك إلى المسجد ، وأبى النبى صلى الله عليه وسلم إلا أن يظل ثمامة في المسجد النبوى لِحِكَمٍ غالية عديدة .. ليرى ثمامة بعينيه وليسمع بأذنيه عظمة هذا الدين .. ليرى النبى صلى الله عليه وسلم بنفسه .. وليسمع كلام النبى صلى الله عليه وسلم .. وليرى أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم .

أيها المسلمون: لا بد أن نعى هذا الدرس العنف يهدم ولا يبنى ، الشدة تفسد ولا تصلح. الرفق والإحسان إلى الناس هو الذى يحول البغض في القلوب إلى محبة صادقة فياضة ، ما أحوجنا إلى أن نعى هذا الدرس .

يأتى شاب شرح الله صدره للالتزام فأعفى اللحية ، وقصر الثوب ، وحافظ على مجالس العلم ، ولا زال أبوه بعيداً عن طريق الله ، ولا زالت أمه بعيدة عن طريق رسول الله ، فيجعل هذا الشاب من البيت حريقاً محرقاً مدمراً ، يسئ إلى والده ، ويسئ إلى أمه ، يسفه أباه ويحتقر أمه ، ويضرب أخوته ، ويسئ إلى إخوانه ، فيظن أهل البيت أن الالتزام غصب مستمر . لا يا أخى أنت أسأت إلى الإسلام من حيث لا تدرى ، وأسأت إلى منهج النبى صلى الله عليه وسلم في الدعوة من حيث لا تشعر ، ففرقوا أيها الشباب وأيها المسلمون بين مقام الجهاد الذى يحتاج إلى الغلظة والقسوة والشدة ، وبين مقام الدعوة الذى يحتاج إلى اللين والحكمة والرحمة قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] .

أيها الأحبة الكرام ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت