فهرس الكتاب

الصفحة 9888 من 9994

وقد تزداد الفتنة إذا وقع بهم الأذى والابتلاء أمام عينه وبين يديه وهو لا يستطيع أن يدفع عنهم أذى أو يرد عنهم سوء.

* وهناك فتنة أخرى خطيرة، إنها فتنة إقبال الدنيا على المبطلين والعاصين والمذنبين والظالمين ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العواتق، وتذلل لهم الصعاب، وتفتح لهم الأبواب وتهيئ لهم الأسباب.

تصاغ لهم الأمجاد ، وتصفو لهم الحياة والمؤمن مُهملٌ منكر لا يحس به أحدٌ ، ولا يدافع عنه أحد، ولا يشعر بقسيمة الحق الذى معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يمكلون من أمر الحياة شيئاً.

* وهناك فتنة الغربة في هذا الدين .متى يظهر المؤمن فيرى معظم ما حوله ومَنْ حوله غارقاً في تيار الضلالة والشهوات والشبهات ، وهو وحده غريب طريدٌ شريد.

* وهناك فتنة نراها بارزة في هذه الأيام ألا وهى أن المؤمن يجد أمماً ودولاً غارقة في الرذيلة والمعصية وبالرغم من ذلك فإنها راقية في مجتمعها متحضرة في حياتها ، ويجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يليق به كإنسان!!!

* وهناك الفتنة الكبرى فتنه النفس والشهوة، وجاذبية الأرض والطين ، وصعوبة الأستقامة على صراط الله المستقيم كل هذه الفتن . فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله ، كانت الفتنة أشد وأقصى ، وكان الابتلاء أشد وأعنف ، ولن يثبت إلا من عصمه الله عز وجل .

فما هى الحكمة من كل هذه الفتن والابتلاءات التى يبتلى الله بها المؤمنين؟‍! في الوقت الذى ينتشى فيه الظالمون ويبغى فيه المبطلون.

حاشا لله: أن يعذب المؤمنين بالابتلاء وأن يؤذيهم بالفتن كلا ولكن الإعداد الحقيقى لتحمل الأمانة الكبرى والمسئولية العظمى والعقيدة العليا لأنها في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة ، وإلا بالاستعلاء الحقيقى على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقى على الآلام ، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو ثوابه على الرغم من طول الفتنة وشدة الإبتلاء.

فكما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ، كذلك تصنع الفتن بالنفوس تصهرها فتنفى عنها الخبث.

وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة ، ويقع عليهم البلاء حسبهم أن يكونوا هم المختارين من الله ليكونوا أمناء على حق الله وعلى دين الله عز وجل.

وأن يشهد الله لهم بان في دينهم صلابه. وفى عقيدتهم قوة فهو سبحانه يختارهم للابتلاء. .فإنه كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:

« أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثلُ فالأمثلُ ، يُبتلى الرجلُ على حسب دينه ، فإن كان في دينه صُلباً، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقةُ ابتُلى على قدْر دينه ، فما يبرحُ البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة » ( [5] )

ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: « أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون ، لقد كان أحدهم يُبتلى بالفقر حتى ما يجدُ إلا العباءة يجوبها ( [6] ) ، فيلبسها ، ويُبتلى بالقمَّل حتى يقتلُه ، ولأحدهم كان أشدَّ فرحاَ بالبلاءِ من أحدكم بالعطاء» ( [7] ) قال ابن القيم رحمه الله

إن الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحن النفوس.ويبتليها ، فيظهر بالامتحان طيبها من خبيثها ، ومن يصلح لموالاته وكرامته ومن لا يصلح ، وليمحص النفوس التى تصلح له ويخلصها بكير الامتحان كالذهب الذى لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بالامتحان ، إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة ، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية ، فإن خرج في هذا الدار وإلا ففى كير جهنم ، فإذا هذب العبد ونُقلا أُذن له في دخول الجنة ( [8] )

وليس أحدٌ أغير على الحق وأهله من الله .. ولكنها سنة الله الجارية لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف.

وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين َ ( [9] )

فما الذى لا قاه نوح عليه السلام ؟، وما الذى لاقاه إبراهيم؟، وما الذى لاقاه موسى ؟ ، وما الذى لاقاه عيسى؟. وما الذى لاقاه محمد ؟ وهم أطهر الناس وأشرف الناس، واصطفاهم الله عز وجل واختارهم وأحبهم إلى الله وأقربهم إلى الله هو حبيبه ومصطفاه محمد

فلقد ورد في صحيح البخارى أن النبى صلى الله عليه وسلم قام يوماً يصلى في حجر الكعبة فأقبل عليه عقبة بن أبى معيط فوضع ثوبه في عنق النبى صلى الله عليه وسلم فخنقه خنقاً شديداً فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله ( [10] )

وورد في البخاري أيضاً أن هذا الفاجر عقبة بن أبى معيط جاء يوماً على رسول الله بسلى جزور فقذفه على ظهر النبى صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فلم يرفع رسول الله رأسه حتى جاءت فاطمة رضى الله عنها فرفعته عن ظهر المصطفى صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه ثم قال « الله عليك بقريش ثلاث مرات» [11] )

وتعلمون ما الذى حدث له بالطائف فضلاً عن وصفهم له بالسحر والجنون واتهموه في شرفه وعرضه . هاهو ذا رسول الله وهو في الذروة من بنى هاشم ، هاهو ذا يرمى في بيته وفي من؟! في عائشة التى أحبها من قلبه . هاهو ذا يُرمى في طهارة فراشه وهو الطاهر الذى تفيض منه الطهارة. وهاهو ذا يرمى في صيانة حرمته وهو القائم على صيانة الحرامات في أمته. إنها أشد فتنة على الإطلاق تعرض لها رسول الله وهو الحبيب عند ربه جل وعلا . بل أظنها أضخم المعارك التى خاضها رسول الله

إنها الفتن والابتلاءات ولقد ورد أيضاً في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت رضى الله عنه قال: أتيت النبى صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة - وقد لقينا من المشركين شدة - فقلت: يا رسول الله ألا تدعوا الله لنا ، ألا تستنصر لنا ، فقعد وهو مُحمرٌ وجهه فقال: «لقد كان من قبلكن ليمشط بأمشاط من الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله » ( [12] )

وإذا كانت هذه الاعتداءات على النبى صلى الله عليه وسلم وله من الجلال والوقار في نفوس العامة والخاصة فكيف بالصحابة الكرام، لاسيما الضعفاء منهم فأنتم تعلمون ما الذى كان يُفعل ببلال و خباب وآل ياسر وصهيب وابن مسعود وغيرهم ممن قالوا: لا إله إلا الله .

فضربوا لنا أروع الأمثلة في الصبر على البلاء والتضحية لهذا الدين حتى ولو كانت بالأرواح والأبدان.

فلقد كان الدين عندهم أغلى من أى شئ حتى من أرواحهم وأولادهم وأزواجهم وأموالهم .

ولذلك أيدهم الله بنصره كما نصر المؤمنين من قبلهم وينصر الموحدين من بعدهم.. وتكون العاقبة على من عاداهم وانظر كيف كان عاقبة المجرمين.. !!

* فأين فرعون الذى قال لقومه ما علمت لكم من إله غيرى؟ والذى قال لقومه أنا ربكم الأعلى؟ والذى قال: يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى؟ فأجراها الله من فوقه!

* وأين هامان؟ وأين قارون ؟ وأين عاد ؟ وأين ثمود؟: فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا ( [13] )

وصدق من قال:

أين الظالمون وأين التابعون ج ... ... لهم في الغى بل أين فرعون وهامان؟

وأين من دوخوا الدنيا بسطوتهم ... ... وذكرهم في الورى ظلمٌ وطغيان؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت