* وهو أب ، وزوج ، ورب أسرة كبيرة تحتاج كثيراً من النفقات - من نفقات النفس والتربية والتوجيه فضلاً عن نفقات المال - فيقوم بهذا الدور الكبير على أعلى نسق شهدته الأرض وعرفه التاريخ.
* وهو عابد خاشع خاضع لربه كأنه ما خلق إلا للعبادة وكأنه قد تفرغ لها ومع هذا كله فهو قائم على أعظم دعوة شهدتها الأرض ، أخذت عقلَه وفكرَه وروحَه وعرقَه ودمهَ كل هذا العظمات ، كل هذه الطاقات ، وكل هذه الأشخاص المتفرقة تجمع في شخص المصطفى صلى الله عليه وسلم
* فهو القدوة الطيبة والمثل الأعلى الذى يجب ألا تكون سيرته ماضياًَ أبداً بل يجب أن تكون سيرته الزكية شعلة توقد شموسَ الحياة ودماءً تتدفق في عروق المستقبل والأجيال.
ثانيا: ولماذا الهجرة
وللجواب على هذا السؤال قصة .
إنها قصة طفل طهور ، وديع كالنسيم ، ولد يتيما واستمر اليتم يلاحقه ويلاحق طفولته في طرقات مكة ودروبها .
ويكبر محمد ، وتكبر غربته، ويكتشف في دروب الحياة يتماً أكبر من يتمه ، وهَمّاً أثقل من هَمّه.. فالأرض كلها يتم .. والبشرية كلها تئن بالألم ويعصر قلبها الحزن.
فالجزيرة العربية كلها غابة من الأصنام ، وأودية تسيل بالدماء البريئة والعادات العالية والتقاليد المحيرة.
فماذا يفعل محمد سوى أن يهجر هذه البيئة لينطلق بعيداً... بعيداً على قمة جبل النور ليقضى النهار في التأمل والتفكير والتدبر وليقضى الليل في التعبد والتبتل والتضرع .
وفي ليلة مباركة من ليالي شهر رمضان يصمت الكون كله.. النجوم في السماء والرمال في الصحراء ... والوحوش في البيداء... إنها لحظات فريدة ... إنها لحظات تربط الأرض بالسماء .. فهو هو أمين وحى السماء جبريل عليه السلام يتنزل بالوحى على رسول الله ، ويحمل النبي الأمانة ، ونطلق بها إلى قومه وينطلق بها بهجة وبشرى لهم، ينتظر الإجابة ، وتأتى الإجابة على غير ما يتمنى .
تأتى الإجابة سباً وتكذيباً وتعذيباً.
وتحت وطأة هذا الظلم والطغيان لم يجد النبي بداً من أن يشير على أصحابه بالهجرة .. بالهجرة إلى أين ؟ إلى الحبشة لأن بها ملكاًَ لا يظلم عنده أحد ولتغسل شلالات الحبشة دموع المؤمنين وأحزانهم.
ويشتد الأذى ويزيد الابتلاء فيخرج الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بنفسه يشق الأودية والجبال على قدميه الداميتين المتعبتين تحت حرارة الشمس المحرقة ، وعلى الرمال والصخور الملتهبة ولكن إلى أين ؟!.
إلى الطائف لعله يجد أرضاً تقبل بذرة التوحيد.. لعله يجد يداً حانية تحمل هذا الدين وتنشر معه هذا النور.
وإذا بأرض الطائف هي الأخرى تلفظ بذرة التوحيد ، وإذا بأهلها يفعلون معه أخس ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان.
ولا تزيد الأيام قريشاً إلا بطشاً ، وظلماً ، وطغياناً ، ويأمر النبي أصحابه مرة أخرى بالهجرة .. إلى أين . إلى يثرب.
ويشعر المشركون لأول مرة بحجم الخطر ويَعقدُ البرلمان الشركة أخطر اجتماع له في التاريخ لإصدار قرار بالإجماع للقضاء على حامل لواء الدعوة لقطع تيار نورها عن الوجود نهائياً.
وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ( [6] )
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ( [7] ) ويعلم النبي بهذا الاجتماع الخطير فماذا صنع المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ )
والجواب أنه التخطيط الدقيق ، والتنظيم المحكم الذى لا يدع أبداً مكاناً للحظوط العمياء ، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذه الخطبة.
ثالثا: درس في التخطيط والتنظيم
فلقد كُلف النبي بالهجرة ، وعمره ثلاثٌ وخمسون سنة في ظروف صعبة قاسية حتى يرى نفسه مضطراً أن يهاجر بالليل مختفياً هو وصاحبه من أعين المطاردين الذين رصدوا الجوائز المغرية لمن يأتى بمحمد حياً أو ميتاً .
فيضع النبى صلى الله عليه وسلم خطة الهجرة بمنتهى الدقة والحكمة .
* فيأذن لسائر المؤمنين بالهجرة ويأمر أن يبقى أبو بكر وعلى رضى الله عنهما.
* والمدينة المنورة تقع إلى الشمال من مكة والمسافر إليها يتجه شمالاً ولكنه يتجه جنوباً ناحية اليمن ليضلل المطاردين .
* والأمر يحتاج إلى دابة قوية فيجئ الصديق براحلتين قويتين ويقوم على أمرهما.
* والطريق يحتاج إلى رجل خبير لا يعرف الطرق الممهدة فقط بل يجب أن يعرف الطرق الجانبية والفرعية التى يمكن أن تُسلك ليتمكنوا من الفرار من المطاردين ، ولا حرج أن يكون على الشرك بعدما تيقن من أمانته.
* ولن تهدأ قريش في الأيام الثلاثة الأولى - لا في الليل ولا في النهار - عن البحث عن النبي وصاحبه . إذن فلا بد من الاختفاء في الغار في هذه الأيام.
* وكيف تُعرف الأخبار؟ّ والخطط التى تدبرها قريش؟!
يأتي عبد الله بن أبي بكر بالليل لينقل كل ما سمع من أخبار وقبل الفجر يكون في مكة كأنه بات فيها.
* وكيف التغلب على آثار الأقدام على الرمال وأهل مكة يجيدون معرفة الآثار؟! فليأت عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق ليرعى الأغنام فتمحو الآثار ويحلب لهما اللبن ، ويقدم لهما الطعام .
* وفي بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم ينام علىّ على فراشه ، ويلتف ببرده الكريم ، حيطة بالغة ودقة محكمة لم يعرف تاريخ البشرية لها مثيلاً وهذا هو المعنى الحقيقى للتوكل على الله عز وجل..إنه الاحترام الكامل لقانون السببية الذى أودعه الله في هذا الكون مع الثقة في نصر الله عز وجل.
ومع تقدير الإسلام لقانون السببية وتنفيذ النبى صلى الله عليه وسلم له تنفيذاًً بليغاً دقيقاً فأنا لا أعرف الآن أمة استهانت بقانون السببية ، وخرجت عله واستَخَفَّت بمقدماته ونتائجه كالأمة الإسلامية اليوم.
وزعمت باسم التوكل ، أن كل شئ يمشى بالفوضى ، والعشوائية ، والدروشة فلم تجنى إلا الذل، والضعف ، والهوان ، والذيلية لأخس أمم الأرض.
فنحن أولى الناس بأن نتعرف على إسلامنا ، وديننا وأن نعلم أن ما نحياه من واقع مُر أليم إنما وقع وفق السنن الربانية الثابتة التى لا تتبدل ولا تتغير والتى لا تحابي أحداً من الخلق مهما ادعى لنفسه من مقدمات المحاباه.
رابعاً: وكيف ينسى الصديق
نعم كيف ينُسى رجلٌ بأمة ؟..
كيف يُنسى رجل جَنَّدَ ماله وبيته وعقله وفكره ودمه لدين الله عز وجل.. ولم يتلعثم في إيمانه طرفه عين، فلقد كان الصديق طيفاً من الحنان..، وسحابة من الحب تُظِلّ الرسول
وكأنى به يود لو صنع من جسده درعاً يحمى به رسول الله . فهو يمشى أمام النبى صلى الله عليه وسلم مرة ويمشى خلفه أخرى ، ويلتفت ويكثر الالتفات. فسأله النبى صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله إذا كنت خلفك خشيتُ أن تؤتى من أمامك ، وإذا كنت أماك خشيت أن تُؤتى من خلفك» والحديث رواه ابن هشام وهو حديث حسن بشواهده واستمر أبو بكر في ذلك حتى لامست أقدامها غار ثور.
بل خاف على رسول الله أن يدخل إلى هذا الغار المهجور قبل أن يطمئن هو على سلامته فيقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مكانك يا رسول الله حتى استبرأ ، فدخل فاستبرأ ، أى تبين ، ثم قال: انزل يا رسول الله.
يقول عمر:
« والذى نفسى بيده لعلك الليلة خير من عمر وآل عمر» والحديث رواه البيهقى وهو حديث مرسل لكن له شواهد ترقى به إلى درجة الحسن .
وتحتبس أنفاس الصديق ويطير فؤاده وهو يرى أقدام الطغاة الماردين من قريش حول باب الغار ويهجم الخوف والرعب من شقوق الغار من سيوف الطغاة وعيونهم التى تتطاير شرراً وإجراماً.