فقال جابر: إن رسول الله مكث تسع سنين لم يَحُجَّ ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله حاجٌ وقد استدل بعضُ أهل العلم بهذا على جواز التراخى في الحج لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فُرض عليه الحج سنة تسع عند أكثر أهل العلم من المحققين وأخره النبى صلى الله عليه وسلم إلى السنة العاشرة ولكن النبى صلى الله عليه وسلم أخره لأنه كره الاختلاط في الحج بأهل الشرك لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت وهم عُراه فلما طهر الله البيت الحرام منهم حج النبى صلى الله عليه وسلم .. ولذا فمن يسر الله له النفقة والاستطاعة وجب عليه الحج فوراً لقول النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذى رواه أحمد وهو حديث حسن: « تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ » .
يقول جابر بن عبد الله: ثم أذن في الناس في السنة العاشرة أن رسول الله حَاجٌ فقدم المدينة بشر كثيرٌ كلُهم يلتمَسُ أن يأتم برسول الله ويعملَ مثلَ عملِهِ.
يقول جابر: فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحُليفة .
* وذو الحُليفة ميقاتُ أهل المدينة والذى يُسمى اليوم ( بأبيار على )
* والميقاتُ الثانى هو الجُحفة وتعرف الآن برابغ وهى ميقاتٌ لأهل الشام ومصر ومن مر بها.
* والميقات الثالث هو قرنُ المنازل ويُعرف الآي بالسيل الكبير وهو ميقاتٌ لآهل نجد والطائف ومن مر به.
* والميقات الرابع هو يَلمَلْمَ ويعرف الآن بالسعدية وهو ميقاتٌ لأهل اليمن ومن مر به.
هذه هى المواقيتُ المكانية لمن أراد الحج أو العمرة فيجب عليه ان يحرم منها أو بمحاذاتها ومن تجاوزها بدون إحرام فعليه دمُ جبران وهو قولُ جمهورِ أهل العلم.
يقول جابر: فخرجنا مع رسول الله حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماءً بنت عُمِيْس محمدَ بنَ أبى بكر فأرسلت إلى رسول الله كيف أصنع ؟ قال: اغتسلى واستنثرى بثوب وأحرمي.
وفي هذا دليل على استحباب الغسل للحائض والنُفساء وهو قول الجمهور وفيه أيضاً صحةُ إحرام الحائض وأن عليها أن تفعل كل ما يفعله الحاجُ غير أنها لا تطوف بالبيت.
وفي الصحيح عن عائشة رضى الله عنها أنها حاضت قبل أداء مناسك العمرة فأمرها النبى صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج غير أن لا تطوف باليت حتى تطهر وأن تفعل ما يفعله الحاج.
أما إن جاء الحيضُ بعد طواف الإفاضة والسعى وقبل طواف الوداع سقط عنها طوافُ الوداع لأن الحائض والنفساء ليس عليها طواف ُ الوداع.
يقول جابر: فصلى رسول الله في المسجد.
ولذا استحب الجمهور أن يكون الإحرامُ بعده صلاة . إما فريضة وإما نافلة .
يقول جابر: فصلى رسول الله في المسجد ثم رَكِبَ القَصْواء ( وهو اسم لناقة الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ) حتى إذا استوت به ناقُته على البيداء نظرتُ إلى مدَّ بصرى بين يديه من راكبٍ وماشٍ وعن يمينه مثلَ ذلك وعن يسار مثلَ ذلك ومن خَلفِه مثلَ ذلك.
ورسول الله بين أَظهُرنا وعليه ينزلُ القرآن وهو يعرفُ تأويله وما عمل به من شئٍ عملنا به فأهل النبى صلى الله عليه وسلم بالتوحيد: « لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ»
وهذه التلبية أيها الأحبة كانت تحتاجُ منا إلى لقاء كاملٍ مستقل وقد علق عليها الإمام ابنُ القيم تعليقاً بديعاً واستخرج منها أكثر من عشرين فائدة في تعليقه على سنن أبى داود لمن أراد أن يراجعها في كتاب عون المعبود .
ومن بين هذه الفوائد البديعة التى ذكرها أن التلبية هى شعارُ حج التوحيد الذى هو روحُ الحج ومقصده بل هو روحُ العباداتِ كِلها وتتضمن هذا التلبية من الخضوعِ والذلِ والمحبةِ والقرب ما تتحقق به العبوديةُ لله عز وجل كما أنها متضمنة للرد على كل مٌبطل في صفات الله عز وجل وتوحيده فهى مبطلةٌ لقول المشركين وقول الجهمية المعطلين ولقول مجوس ِ الأمة المعاندين.. لأنها تثبت كلَ صفات الكمالِ والجلال لله رب العالمين.
ولذا ورد في الحديث الذى رواه مسلم من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان المشركون يقولون: لبيك اللهم لبيك . لبيك لا شريك لك قال ابن عباس: فيقول رسول الله قدٍ قدٍ أى قد كفاكم هذا فاقتصروا عليه ولا تزيدوا لأنهم كانوا يقولون: بعدها إلا شريكاً هو لك تملِكُهُ وما مَلك يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت».
يقول جابر: حتى إذا أتينا البيت معه استلم إذا أتينا البيت معه استلم الركن. أى مسحة بيده وهو سنة في كل طواف وفى صحيح مسلم أن رسولَ الله كان لا يستلمُ إلا الحجر والركن اليمانى وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين وتقبيل الحجر الأسود إن أمكنَّ ذلك من غير إيذاء لأحدٍ من المسلمين والمسلمات.
وفى الحديث الذي رواه مسلم أن عمر بن الخطاب قَبَّل الحجر الأسود وقال والله إنى لأُقبلُك وإنى أعلمُ أنك حجر وأنك لا تضرُ ولا تنفع ولولا أنى رأيتُ رسولُ الله يقبلك ما قبلتُك»
يقول جابر: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فَرَمَلَ ثلاثاًَ ومشى أربعاً.
والرمل هو إسراعُ المشي مع تقارب الخطا وهو مستحب في الأشواط الثلاثة الأُول.
وفى صحيح مسلم من حديث ابن عباس قال قدم رسولُ الله وأصحابُه مكة وقد وهنتهم حُمى يثرب فقال المشركون: إنه قدمُ عليكم غداً قومٌ قد وهنتهم الحمى وَلَقُوا منها شدة فجلسوا مما يلى الحِجْرَ وأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يرمُلُوا ثلاثة أشواطٍ وأن يمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهم فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلدٌ من كذا وكذا قال ابن عباس ولم يمنعْهُ أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كُلها إلا الإبقاءُ عليهم».
يقول جابر: ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ
فجعل المقام بينه وبين البيت وصلى ركعتين [ قرأ فيها قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد] ثم رجع إلى الركن. فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ:
ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: أبدأ بما بدأ به الله عز وجل فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة وفى رواية أبى هريرة في صحيح مسلم ( ورفع يديه) فوحد الله وكبره وقال: « لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شئ قدير ، لا إله إلا اللهُ وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم دعا بين ذلك قال مثلَ هذا ثلاث مرات.
ثم نزل إلى المروة حتى إذا أتى المروة ففعل عليها كما فعل على الصفا . حتى إذا كان آخرُ طوافهِ على المروة فقال: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً » فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ «دخلَتِ الْعُمْرَةُ فِيْ لِأَبَدٍ الأَبَدٍ» .