ومن الفتن التي يتعرض لها المسلم اليوم فتنة الغربة: فالمسلم الصادق يعيش الآن فتنة قاسية ألا وهي فتنة الغربة قال الحبيب كما في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة: (( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ) ) ( [7] ) .
فأهل الغربة الآن يفرون بدينهم من الفتن بل لقد روى الترمذي في سننه بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( سيأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على جمر بين يديه ((
ومن الفتن التي تعرض لها المسلم فتنة الشهوات: وفي الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة أنه قال: قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافس فيها من كان قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم ) ) ( [8] ) .
إذ يرى المسلم واقع أمته مرُُ أليم في الوقت الذي يرى فيه أمم الكفر ودول الكفر قد قفزت قفزات سريعة جدا في عالم الحضارة والرقي والتطور والمدنية. فينظر المسلم الشاب الغيور إلى واقع الأمة فيرى الأمة ذليلة كسيرة مبعثرة كالغنم في الليلة الشاتية الممطرة، وتعصف الفتنة بقلبه ويتساءل مع نفسه أهذه هي الأمة التي دستورها هو القرآن ونبيها محمد عليه الصلاة والسلام وربها هو الرحيم الرحمن، ما الذي بدل عزها إلى ذل؟! ما الذي غير علمها إلى جهل؟! ما الذي حول قوتها إلى ضعف وهوان؟!
وهناك فتنة الأولاد وفتنة الزوجات قال جل وعلا: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَولادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحذَرُوهُمْ [التغابن:14] .
فتن كثيرة قال المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أنس قال: (( إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد ) ) ( [9] ) .
بل لقد ورد في سنن الترمذي بسند صحيح أن النبي قال: (( يتقارب الزمان بين يدي الساعة فتكون السنة كالشهر ويكون الشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كاحتراق السعفة ) ) ( [10] ) احتراق جريدة من النخيل.
ومن علامات الساعة الصغرى التي وقعت ولم تنقض إسناد الأمر إلى غير أهله.
ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: أن أعرابيا دخل على النبي وهو يحدث الناس فقال الأعرابي: يا رسول الله متى الساعة؟ فمضى النبي في حديثه ولم يجب الأعرابي على سؤاله فلما أنهى النبي حديثه قال: (( أين السائل عن الساعة آنفا؟ ) ).. فقال الأعرابى: ها أنا ذا يا رسول الله. قال: (( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ) ). فقال الأعرابي الفقيه: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: (( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) ) ( [11] ) .
تدبر معي حديث النبي الذي رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة قال: (( سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذَّب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويُخَوَّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة ) )قيل من الرويبضة يا رسول الله؟ قال: (( الرجل التافه يتكلم في أمر العام ) ).
ومنها تداعي الأمم على أمة الحبيب المحبوب ، ففي الحديث الذي رواه أبو داود من حديث ثوبان وهو حديث صحيح بمجموع طرقه أنه قال: (( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) )قالوا أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: (( كلا.. إنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل... وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن ) )قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: (( حب الدنيا وكراهية الموت ) ) ( [12] ) .
واقع نعيش فيه.. واقع تحياه الأمة !! تداعت أذل أمم الأرض من اليهود ومن عباد البقر و الملحدين على أمة الإسلام في كل مكان، وطمع في الأمة الذليل قبل العزيز، والضعيف قبل القوى، والقاصي قبل الداني، وأصبحت الأمة قصعة مستباحة لأمم الأرض!!
ومن العلامات: كما في الحديث الذي رواه أحمد والطبراني في الكبير بسند صحيح من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: (( بين يدي الساعة رجال معهم سياط كأنها أذناب البقر يغدون في سخط الله ويروحون في غضب الله ) ) ( [13] ) .
وفى صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( صنفان من أهل النار لم أرهما رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسمنة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) ) ( [14] ) .
أيها الأحبة الكرام لا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك، وأرجيء الحديث عن العلامات الصغرى التي لم تقع بعد إلى ما بعد جلسة الاستراحة. والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه
أقول قولي هذا وأستغفر الله لى ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد:
ثالثاً: علامات صغرى لم تقع بعد
من هذه العلامات التي أخبر عنها النبي ولم تقع ما رواه البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها ) ) ( [1] ) .
من أهل العلم من قال: إن هذا قد وقع على عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
ومن العلامات التي لم تظهر ما أخبر عنه الصادق المصدوق كما جاء في البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، فيقول كل رجل منهم: لعلى أكون أنا الذي أنجو ((
وفى رواية قال: (( يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً ) ) ( [2] ) .
ومن العلامات أيضاً التي لم تظهر بعد: ظهور المهدي رضي الله عنه فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلاً منى - أو من أهل بيتي - يواطيئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ) ) ( [3] ) .
يخرج هذا الرجل يؤيد الله به الدين يملك سبع سنين ( [4] ) يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط، تخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويعطى المال بغير عدد.
قال ابن كثير: في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدد راغم، والخير في أيامه دائم.أ.هـ ( [5] ) .
وقد تواترت الأحاديث في المهدي تواتراً معنوياً، وقد نص على ذلك الأئمة والعلماء.
ونكتفي بذلك القدر ونسأل الله أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض إنه ولي ذلك والقادر عليه.
( [1] ) رواه البخارى رقم (6503) في الرقاق ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( بعثت أنا والساعة كهاتين ) )ومسلم رقم (2950) في الفتن ، باب قرب الساعة .
( [2] ) أخرجه البخارى رقم (3176) في الجهاد ، باب مايحذر من الغدر .
( [3] ) رواه مسلم رقم (2800) في صفات المنافقين ، باب انشقاق القمر .