بل وخذ هذا الحديث العجيب الذى رواه أحمد في المسند والترمذى في السنن وللأمانة العلمية التى اتفقنا عليها وأَصَّلناها من قبل أقول إن الشيخ الألبانى - حفظه الله - قد ضعف إسناد الحديث ومدار تضعيف الألبانى على علىّ بن زيد بن جدعان قال الألبانى فيه ضعف إلا أن العلامة أحمد شاكر قد صحح إسناد الحديث فقال على بن زيد بن جدعان مختلف فيه والراجح توثيقه وقال عن الحديث الإمام الترمذى حديث حسن قال: (( تخرج الدابة ومعها عصى موسى وخاتم سليمان فتسم أنف الكافر - أى تعلم أنف الكافر - وتجلو وجه المؤمن ) )ويضئ وجه المؤمن كأنه كوكب درى، (( حتى أن أهل الخوان الواحد - أى المائدة - يجتمعون على طعامهم فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر ) ) ( [10] ) . لأن الدابة بينت وأوضحت الحقيقة وميزت المؤمن من الكافر.
غالى بعض المصنفين - أقولها بصراحة - في وصف الدابة وأعطوا لخيالهم العنان فوصفوا الدابة وصفاً درامياً خيالياً عجيباً، فمنهم من قال رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد وقوائمها قوائم بعير إلى آخر هذا الوصف الدرامى.
الخطبة الثانية
أما بعد:
الدخان:
والدخان هو آخر العلامات التى سيشهدها المؤمن على ظهر الأرض، وبقية العلامات هذه لا يراها المؤمن ولا يشهد عذابها الموحدون، بل هذه العلامات التى سأذكرها الآن لا تقوم إلا على الكفرة الفجرة من شرار الخلق.
الدخان علامة كبرى:
قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: إن هذا الدخان كان علامة من العلامات التى وقعت في الدنيا بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم على المشركين.
والدخان هنا قد وقع بالفعل ولكن الدخان الوارد في حديث حذيفة بن أسيد الغفارى الذى هو علامة من علامات الساعة الكبرى، يختلف تمام الاختلاف عن هذه العلامة التى رآها المشركون في مكة بدعاء الصادق المصدوق قال تعالى في حق هذه العلامة: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ( [1] ) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان:10-11] .
إذا خرج الدخان لا يقبل الله التوبة كما ذكرت.
فإذا خرج الدخان يبعث الله ريحاً ألين من الحرير تقبض هذه الريح أرواح المؤمنين من على ظهر الأرض، فلا يبقى على ظهر الأرض مؤمن.
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( فلا تدع أحداً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته ويبقى على الأرض شرار الخلق ) ) ( [2] ) الكفرة الفجرة ممن لا يؤمن بالله عز وجل.
كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ) ) ( [3] ) .
فى رواية مسلم من حديث أنس أنه قال: (( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله ) ).
لا يقال في الأرض (الله) لأن الموحدين قد قبضوا فلا يبقى إلا الكفرة وهؤلاء لا يعرفون الله ولا يوحدون الله جل وعلا وعلى هؤلاء تقوم الساعة بل تظهر بقية العلامات الكبرى التى هى عذاب في عذاب وبلاء في بلاء.
ما هى هذه العلامات ؟!!
الخسوف الثلاثة
الخسف الأول بالمشرق:
يقع الخسف بالمشرق والخسف كما هو معلوم انشقاق الأرض قال تعالى حكاية عن قارون: فَخَسفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ [القصص:81] .
فيقع خسف بالمشرق على شرار الخلق بعد أن قبض الله أرواح المؤمنين.
الخسف الثانى بالمغرب والخسف الثالث بجزيرة العرب، وبعد هذه الخسوف تخرج العلامة الأخيرة من علامات الساعة الكبرى ألا وهى نار تخرج من قعر مدينة عدن (المعروفة الآن باليمن) فتطرد الناس جميعاً إلى محشرهم.
وفى رواية البخارى من حديث أنس أن عبد الله بن سلام رضى الله عنه قال: لما نظرت إلى وجه النبى صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فآمن بالنبى - والشاهد. . أن عبد الله بن سلام سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن أسئلة جيدة من بين هذه الأسئلة سأله عن أول أشراط الساعة فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( نار تخرج من قعر عدن تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ) ) ( [4] ) .
وقد يلمح طالب العلم الفطن تعارضاً ظاهراً بين النصين لكن لا تعارض فقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في رواية حذيفة: (( وآخر ذلك نار ) )أى أنها العلامة التى إن وقعت وقعت القيامة بعدها بالنفخ في الصور والبعث من القبور.
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم والحديث رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة: (( يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير وعشرة على بعير، ويحشُرُ بَقيَّتَهُم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا ) ) ( [5] ) .
قال القرطبى الحشر هو الجمع وهو أربعة أنواع الحشر الأول والثانى في الدنيا والحشر الثالث والرابع في الآخرة.
أما الحشر الأول: فهو المذكور في قوله تعالى في سورة الحشر: مَا ظَنَنتُم أَن يخْرُجُوا [الحشر:2] .
الحشر الثانى: هو الحشر الوارد في حديث حذيفة وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم، إذاً حشر النار للناس لا يكون إلا في الدنيا.
الحشر الثالث: حشر الناس من القبور وغيرها بعد البعث.
الحشر الرابع: حشر الناس إلى الجنة أو إلى النار نسأل الله أن يجعلنى وإياكم من أهل الجنان.
إذ الذى عليه جمهور المحققين من العلماء أن الحشر الوارد في حديث حذيفة الذى هو علامة من علامات القيامة الكبرى لا يكون إلا في الدنيا والدليل الصحيح الصريح على ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم قد ذكر أن الحشر في الآخرة يحشر فيه المؤمنون والكافرون حفاة عراة غرلا كما في الصحيحين من حديث عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( تحشرون حفاة عراة غرلا ) )قالت عائشة يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( يا عائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك ) ) ( [6] ) .
وفى رواية أنس قال: (( يا عائشة لقد نزلت على آية لا يضرك أكان عليك ثياب أم لا ) )فتلى النبى صلى الله عليه وسلم لِكلِ امْرِئِ يَومَئذٍ شَأنٌ يغْنِيهِ [ عبس: 37 ] .
مثل وقوفك يوم العرض عُريانا مستوحشاً قلق الأحشاء َحْيرانا
والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا
اقرأ كتابك ياعبدُ على مَهَلٍ فهل ترى فيه حرفاً غير ما كان
فلما قرأت ولم تنكر قراءته أقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا
نادى الجليل خذوه يا ملائكتى وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا
المشركون غداً في النار يلتهبوا والموحدون بدار الخلدُ سُكَّانا
وهكذا تنتهى علامات الساعة الكبرى التى ذكرها المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة بن أسيد الغفارى الذى كنا معه طيلة اللقاءات الأربع الماضية لكن هناك علامة أخرى عجيبة غريبة قد تنزل الآن على القلوب فتهز القلوب هزاً لم ترد في حديث حذيفة، ترى ما هى هذه العلامة العجيبة الغريبة ؟!!
إنها هدم الكعبة الشريفة حجراً حجرا. .
الكعبة بيت الله الذى تهوى إليه الأفئدة وتحن القلوب إليه الذى قال في حقه علام الغيوب:
وَإِذْ جَعَلنَا البَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمنًا [البقرة:125] .
مثابة للناس: أى لا يملون منه كلما نظروا إليه وإذا انصرفوا عنه تجدد الشوق إليه وازداد الحنين لزيارته ورؤيته.
إن من علامات الساعة الكبرى هدم البيت الحرام ونقضه حجراً حجرا.