فهرس الكتاب

الصفحة 9784 من 9994

قل للنبات يجف بعد تعهدٍ ورعايةٍ من بالجفافِ رماكا

وإذا رأيت النبت في الصحراء يربو وحد فاسأله من أرباكا

وإذا رأيت البدر يسري ناشراً أنواره فاسأله من أسراكا

واسأل شعاع الشمس يدنو وهي أبعد كل شيء ما الذي أدناكا

قل للمرير من الثمار من الذي بالمر من دون الثمارغذاكا

وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فاسأله من يا نخل شق نواكا

وإذا رأيت النار شب لهيبها فاسأل لهيب النار من أوراكا

هذا جواب على سؤالنا الأول من أنا ؟

أخلص من هذه الكلمات الدقيقة المهمة إلى هذه الحقيقة الكبيرة ألا وهي أن الإيمان بالله تبارك وتعالى ليس غريزة فطرية فحسب ، ولكنه ضرورة عقلية أيضاً ، وبدون هذا الإيمان سيظل هذا السؤال يحتاج إلى جواب .

ذلكم السؤال الخالد في قول الله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [الطور: 35-36]

سيظل هذا السؤال مطروحاً يحتاج إلى جواب من هؤلاء المعاندين ، والجواب: لا، لا يقول عاقل أنه خُلق من غير شئ ، والسؤال الثانى: فهل خلقوا أنفسهم ، والجواب: لا ، ما زعم عاقل على وجه الأرض منذ أن خلق الله ومن عليها خلق نفسه أو خلق الأرض أو خلق السماوات ، فيبقى السؤال مطروحاً ويحتاج إلى جواب من كل عاقل منصف على وجه الأرض أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ% أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [الطور: 35-36] .

فهم يقولون ببساطة شديدة في مصير هذا الإنسان بعد رحلة هذه الحياة الدنيا يقولون: إنه الفناء والعدم المطلق أن تطويه الأرض في بطنها كما طوت ملايين الحيوانات الأخرى وأن تعيد هذا الجسد مرة أخرى إلى عناصره الأولى فيعود تراباً ثم تذروه الرياح ، وهكذا..!!

هذه هى قصة الحياة عند هؤلاء الماديين أرحام تدفع ، وأرض تبلع ، ولا جزاء ولا حساب ، ولا نعيم ولا عذاب ..!! يستوي في ذلك عند هؤلاء من أحسن غاية الإحسان، ومن أساء غاية الإساءة ..!! يستوي في ذلك من عاش عمره للناس على حساب شهواته ، ومن عاش عمره لشهواته على حساب الناس ..!! يستوي في ذلك من ضحى بحياته في سبيل الحق ومن ضحى بالحق في سبيل حياته ..!! يستوي في في ذلك من اعتدى على حياة الآخرين في سبيل الباطل ، ومن عاش من أجل أن يرد ويدفع الباطل ..!! يستوي في ذلك من عبد الله وحده لا شريك له ، ومن عبد آلهة أخرى باطلة مدعاة ..!!يستوي في ذلك الموحدون والمشركون ..!! يستوي في ذلك الظالمون والمظلومون..!! يستوي في ذلك المعذبون والمقهورون والمعذبون..!!

هذا ظلم .. أما المؤمن الذي مَنَّ الله عليه بالإيمان وكرمه بالقرآن ، وبرسالة محمد e فإنه لا يتعلثم في الجواب طرفة عين ، يعرف المؤمن مصيره ، ويعرف المؤمن مسيره ، يعرف المؤمن أين يصير ، ويعرف المؤمن المصير ، فهو يؤمن بقول الملك القدير فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ شتان شتان ، ما بين مادي ملحد يسوي هذين الصنفين ممن ذكرت، وبين مؤمن يعرف أن لله - عز وجل - هو العدل وهو الحق ، فالمؤمنون يعلمون أنهم خلقوا لحياة الخلود ودار البقاء وهم في هذه الحياة الدنيا إنما يستصلحون وينقون ، ويهذبون ، ويعدون في هذه الدار إعداداً ليؤهلهم للعيش في دار البقاء ، ليطيبهم الله تبارك وتعالى ، ليكونوا أهلاً لدار طيبة يكونوا أهلاً لسلام الملائكة عليهم إذا دخلوا جنة ربهم جل وعلا وهم يقولون سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ .

إخوة الإسلام: إنه لعسير على العقل السوي أن يؤمن بخالق عليم عظيم حكيم أحسن هذا الكون خلقاً وصنعاً ، وقدر فيه كل شيء تقديراً بحكمة ، ثم يؤمن بعد كل ذلك أن سوق الحياة ستنفض بالموت وقد سرق من سرق ، ونهب من هب ، وكفر من كفر ، وظلم من ظلم وأساء من أساء واعتدى من اعتدى ، ثم لا يقف بعد ذلك هؤلاء جميعاً بين يدى الله تعالى ليقتص للمظلوم من الظالم ، وليثيب الموحد على توحيده ، والعابد على عبادته ، لا يصدق عقل سوي هذا أبداً ، وما أروع كلام الله - سبحانه وتعالى - أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116]

وما أروع قول الله تعالى أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة:36] . أى مهملاً لا سؤال ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب ، كلا .

قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21]

ال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: 27-28]

وقال جل وعلا: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ % إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان:38 -40]

ومن أجمل وألطف ما قرأت في سنن ابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( حدثُوِنى بَأَعَاجِيبِ مَا رَأَيُتم بِأَرضِ الحَشَبةِ ؟ ) )قال فتية منهم: بلى يا رسول الله ! بينا نحن جلوس ، مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء فمرت بفتى منهم ، فجعل إحدى يديه بين كتفيها ، ثم دفعها ، فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها ، فلما ارتفعت التفت إليه فقالت: سوف تعلم ، يا غدر ! إن وضع الله الكرسى ، وجمع الأولين والآخرين ، وتكلمت الأيدى والأرجل بما كانوا يكسبون ، فسوف تعلم كيف أمرى وأمرك عنده غداً. قال: يقول رسول الله: (( صَدَقَتْ صَدَقَتْ ، كَيْفَ يُقَدٌسُ الله أُمّةً لاَ يُؤْخذُ لِضَعِيفِهِم مِن شَدِيدِهمْ ) ) (1)

انظروا إلى فطنة هذه المرأة ، وكيف أبرزت مشهداً من أعظم مشاهد يوم القيامة ، ألا وهو مشهد الحساب ، ومشهد الميزان ، ومشهد الحق ، نعم إنه مشهد حق ، فلا بد من قصاص:

أيها المظلوم صبراً لا تهن نم قرير العين وأهنأ خاطرا

إن عين الله يقظى لا تنام فعدل الله بين الأنام

أيها الظالمون ، فإنا متظلمون ، وإنا إلى الله شاكون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، فلا بد من وقفة يقف فيها الجميع بين يدي الله تبارك وتعالى ليجازي الله كل واحد بعمله فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة: 7-8] .

قال سبحانه: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الاسراء: 13-14]

فالمؤمن يعرف المسير ، ويعرف المصير ، يعرف أن المؤمنين إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، وأن الكافرين إلى نار ، نسأل الله - عز وجل - أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنان ، و يحرمنا وإياكم على النار ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت