فهرس الكتاب

الصفحة 9782 من 9994

هذا الصنف الذي هو أخس من البهائم ، الذي يجهل خالقه ، ويجهل غاية وجوده وسر ابتعاثه في هذه الأرض قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ تدبر القول بعد ذلك أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ هذا الصنف الخبيث الذي يقول قائله:

جئت لا أعلم من أين ؟ ولكني أتيت .. ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأمضي في طريقي شئت هذا أم أبيت ..كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي ؟ لست أدري !! بهيمة ، نعم بهيمة ، لا يعرف خالق ، ولا يعرف غاية وسر وجوده في هذه الأرض كما قال الله- عز وجل- وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ فأي جهل أبشع وأفظع من أن يجهل الإنسان الذي يتعالى بعقله ، ويتعالى بإبداعاته المادية ، أي جهل من أن يجهل ربه وخالقه الذي خلقه وبعثه وأوجده - سبحانه وتعالى - هذا هو الجهل الذي لا يغتفر .

لهذا كان لزاماً على كل إنسان عاقل أن يبادر ويسأل نفسه هذا السؤال: لماذا خُلقت؟، وما هي الغاية التي من أجلها خُلقت ؟ وحتماً قبل طرح هذين السؤالين ، لا بد وأن تطرح على نفسك من أنا ؟ من أوجدني ؟ من خلقني ؟ تسأل نفسك أيضاً إلى أين ؟ وما المصير ؟ وإلى أين أسير ؟ لا بد أن تطرح على نفسك هذه الأسئلة لتتعرف على الغاية التي من أجلها خُلقت ، فإن عرفت من خالقك ، وعرفت الغاية التي من أجلها من أجلها خُلقت ، حينئذٍ ستعرف من أنت ، وستعرف مصيرك ومسيرك ، فلا بد من الإجابة على هذه الأسئلة من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ أي: ولماذا خُلقت ؟

هذه هي الأسئلة التي صاحبت الإنسان في كل فترات حياته ، وفي كل مكان وجد فيه ؟ وهي تطلب من أي إنسان الجواب الشافي لها في كل مرحلة من مراحل العمر ، وفي كل مكان على وجه البسيطة من يوم خلق الله - عز وجل - آدم - عليه السلام - من أين جئت أنا ؟ وإلى أين أسير ؟ ما هو مصيري ؟ وما هو مسيري الذي أتجه فيه ؟ وما هي الغاية التي من أجلها خُلقت ، ولأجلها بُعثت ؟ ولا بد من هذه المقدمة قبل أن أشرع في الحديث عن العبادة تأصيلاً لغوياً واصطلاحياً .

أقول: أما السؤال الأول: من أنا ؟ أو من أين أنا ؟ فهوة عقدة العقد عند الماديين الملحدين في كل زمان ومكان أن يجيبوا أو أن يطرحوا على أنفسهم هذا السؤال ، من أين ؟ من الذي خلقني ؟ ومن الذي أوجدني ؟ هؤلاء الذين لا يؤمنون إلا بما تقع عليه الحواس أي: إلا بما تراه الأعين فهو يؤمن بهذا المصباح الذي يراه بعينه منيراً مضيئاً ، لكنه في الوقت ذاته يغض الطرف عن تيار كهربائي لا يراه بعينه الذي هو سر إضاءة هذا المصباح!! فهو مادي أعمى لا يؤمن إلا بما تراه عينه حتى لو كذبه عقله ، هؤلاء يتخذون منطق العقل في رؤسهم - زعموا - دليلاً على الوصول إلى الحق والحقيقة ، ويصرون في عمى عجيب على أن هذا الكون بما فيه ومن فيه وُجِدَ وحده ، وكل ما في هذا الكون من إحكام وترتيب إنما هو صنع المصادفة العمياء !!

أما الذين يستجيبون لنداء الفطرة في كل زمان ومكان ، فهؤلاء يقرون حتماً بأن لهذا الكون إله ورباً حكيماً عظيماً جل جلاله ، تتجه قلوبهم إليه - سبحانه وتعالى - بالتعظيم، والرجاء ، والخشية ، والتفويض ، والتوكل ، والإنابة والعبادة بصفة عامة، يشعرون بخالق هذا الكون ويتجهون إليه سبحانه بفطرهم السليمة النقية التي لم تعكرها الماديات والشبهات والشهوات ، قال تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30]

لكن هذا الصوت - أعني صوت الفطرة - قد يخفت في قلب وعقل إنسان ، أو قد يكبت هذا الصوت صاحبه عمداً ، نعم عمداً عن كبر ، فالمشركون ما أنكروا هذه الحقيقة ، ما أنكروا أن الله - عز وجل - هو الخالق بل كفروا به - سبحانه وتعالى - كبراً وعناداً ، إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35]

قال تعالى وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:14]

فهؤلاء يقرون بهذه الحقيقة لكنهم قد يرفضونها كبراً وعناداً - وركزوا معي جيداً ، فهذا كلام مهم جداً - فالفطرة قد تخفت في قلب وعقل إنسان عن قصد ، وعن عمد من صاحبه ، فإذا نزلت بهذا الإنسان نفسه أزمة أو أحداث مريرة أو مشكلة واهتز هذا الإنسان أمام هذه الأزمة وهذه الشدة وخاب أمله في كل الناس من حوله تراه ينطلق مرة أخرى مستجيباً لهذا الصوت الذي يعلو في أعماقه ، ألا وهو صوت الفطرة فيتجه مرة أخرى رغم أنفه لله - جل وعلا- .

تدبر معي هذا الحوار النفيس الجميل ، فلقد سأل رجل الأمام جعفر الصادق عن الله ، فاقل له جعفر: ألم تركب البحر ؟‍‍‍! فقال: بلى . فقال جعفر: فهل حدث لك مرة أن هاجت بكم ريح عاصفة ؟!‍ قال: نعم قال جعفر: وأنقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة ؟ قال: نعم ، قال: فهل خطر في بالك وانقدح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينجيك إن شاء ؟‍! قال: نعم ، قال: هذا هو الله - سبحانه وتعالى - .

وهذه الحقيقة تثبتها آيات كثيرة جداً في القرآن ، تدبر معي قول الله تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً وقوله تعالى وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يونس:12] .

وقوله تعالى: وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [لقمان:32]

وقال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ … [الإسراء:67] ولا حول ولا قوة إلا بالله .. هذه طبيعة !! قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ % الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [ الانفطار: 6-8 ] .

فإذا كان منطق الفكرة يهدى الله تعالى ، والفطرة ليست وجداناً خالصاً ، بل وليست عقلاً خالصاً ، ولكنها مزيج بين الوجدان - أى القلب - والعقل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت