وبَيَنَ فضل الصابرين وكرامتهم فقال سبحانه وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ البقرة 155 - 157
بل وجعل الله الأمانة في الدين منوطة بالصبر مع اليقين .
قال جل وعلا وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ السجدة 24
بل وبين الله سبحانه كرامة الصابرين في الجنة بدخول الملائكة للسلام عليهم فقال جل وعلا وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ الرعد 24
وبين جل وعلا في الجملة أن ثواب الصبر لا حدود له فقال سبحانه إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ الزمر 10
فما هو الصبر ؟
الصبر لغة: المنع والحبس .
والصبر شرعاً: حبس النفس عن الجزع ، وحبس اللسان عن التشكي ، وحبس الجوارح عن المعاصي ، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
صبر على المأمور: أي صبر على الطاعة .
وصبر على المحظور: أي صبر عن المعصية .
وصبر على المقدور: أي ما قدره الله عليك من المصائب والمحن والبلايا .
والصبر الجميل: هو الذي يبتغي به العبد وجه الله الجليل لا تحرجا من أجل ألا يقول للناس جزع ، ولا .أملاً في أن يقول الناس صَبر ، وإنما يصبر يبتغي بصبره وجه الله جل وعلا ، يصبر واثقاً في الله ، مطمئناً بقضاء الله وقدر الله ، مستعلياً على الألم ، مترفعاً على الشكوى .
والتحقيق أن الشكوى نوعان: شكوى إلى الله وشكوى من الله .
أعاذنا الله وإياكم من الأخيرة .
الشكوى إلى الله: لا تنافي الصبر فلقد مدح الله نبيه يعقوب وأثبت له الصبر في قرآنه وقد رفع يعقوب شكواه إلى مولاه فقال إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ يوسف 86
وأثنى الله على عبده أيوب عليه السلام فقال جل وعلا إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ص: 44
ومع ذلك فقد رفع نبي الله أيوب شكواه إلى الله كما قال الله جل في علاه: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ الأنبياء: 83
الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر أما الشكوى من الله: أعاذنا الله وإياكم منها . هى شكوى للمخلوق من الخالق .
وإذا ذكر الصبر ذُكِرَ تبيُ الله أيوب على نبينا وعليه السلام .
فلقد ابتلى الله أيوب في ماله وولده وبدنه .
فقد المال كله !! مات جميع أبنائه جملة واحدة !!
ابتلاه الله في جسده .. أقعده في الأرض وأصيب بمرضٍ ألزمه الفراش .
لم يسلم من بدنه البتة إلا قلبه ولسانه !!
فصبر وامتلأ قلبه بالحب لله والرضا عن الله !!!
فلقد ابتلى الله جل وعلا أيوبَ عليه السلام في ماله وولده وبدنه !!
فقد ضاع مالُه كُلُه !!
ومات جميع ٌ أبنائه !!
وابتلى بمرض في جسده أقعده في الأرض وألزمه الفراش ولم يسلم له من بدنه كله إلا قلبه ولسانه !!
أما قلبه فقد امتلأ بالحب لله والرضا عن الله ، وأما لسانه فلم يفتر عن ذكر الله !!!
أما قلبه فقد امتلأ بالحب لله والرضا عن الله وأما لسانه فلم يفتر عن ذكر الله جل وعلا وهذه والله هى الحياة ففي الصحيحين عن أبي موسى أن النبي قال"مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت" (1)
فالذاكر لله حي وإن ماتت منه الأعضاء !! والغافل عن ذكر الله ميت وإن تحرك بين الأحياء !!
وفزعت زوجته الصابرة الوفية حينما قالت له: ادعوا الله ليفرج كربك فقال نبي الله أيوب: لقد عشت سبعين سنة وأنا صحيح ولله عَلَيَ أن أصبر سبعين سنة وأنا سقيم !!
واختلفت الآراء في المدة التي مكثها نبي الله في البلاء وأًصح ما ورد في هذه الأقوال مارواه الإمام الطبري وابن حبان وابن حاتم والبزار والحاكم في مستدركه وصححه على شرط الشيخين وقال الإمام الهيثمي في المجمع ورجال البزار رجال الصحيح من حيث أنس بن مالك أن نبي الله قال"إن نبي الله أيوب مكث في بلائه ثلاث عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد ، إلا رجلين من خواص أصحابه ، كانا يغدوان عليه ويروحان فقال أحدهما للآخر: لقد أذنب أيوب ذنباً عظيماً وإلا لكُشف عنه هذا البلاء"
قال أهل التفسير: فلما سمع أيوب ذلك خشي الفتنة فلجأ إلى الله جل وعلا بهذا الدعاء الحنون الذي سجله الله في قرآنه فقال جل وعلا: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ الأنبياء: 83
انظر إلى الجواب َاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ الأنبياء: 84
ما الذي حدث ؟!!
أمر الملك القدير جل وعلا نبيه أيوب أن يضرب الأرض من تحت قدميه ، فضرب أيوب المريض المسكين الأرض ضربة هينة بقدمه ففجر الله عيناً من الماء ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ص: 42
أمر الله أيوب أن يشرب فشرب أيوب من الماء فشفاه الله من جميع أمراضه الباطنة ، فأمره أن يغتسل فاغتسل فشفاه من جميع أمراضه الظاهرة وصدق الله إذ يقول وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ الأنعام: 17
أيها المُبتلى:
كن عن همومك معرضاً ودع الأمور إلى القضا
وانعم بطول سلامة تغنيك عما قد مضى
فلربما اتسع المضيق وربما ضاق الفضا
الله يفعل ما يشاء.. فلا تكن متعرضا
قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافى الأمراض من أرداك ؟!
قل للمريض نجا وعُوفي بعدما عجزت فنون الطب من عفاك ؟!
قل الصحيح مات لا من علة من يا صحيح بالمنايا دهاك ؟!
بل سائل الأعمى خطى وسط الزحام بلاً اصطدام من يا أعمى يقود خطاك؟!
بل سائل البصير كان يحذر حفرةً فهوىَ بها من ذا الذي أهواك ؟!
وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى من ذا الذي يرعاك ؟!
وسل الوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك ؟!
وإذ ترى الثعبان ينفث سمه فسله من يا ثعبان بالسموم حشاك ؟!
وأسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك
وأسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك ؟!
بل سائل اللبن المصفى من بين فرث ...ودم من ذا الذي صفاك ؟! ...
قل إن الأمر كله لله ..
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ص: 42
فاغتسل نبي الله وشرب فشفاه الله عز وجل وعافاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أمطر الله عز وجل عليه جرادا من ذهب فقام نبي الله أيوب ليأخذ الجراد من ربه العلي ليضعه في ثوبه ، يأخذ الجراد ويضعه في ثوبه فنادى عليه ربه جل وعلا قال يا أيوب أما تشبع ؟ فقال أيوب ومن يشبع من رحمتك يارب ومن يشبع من رحمتك يارب" (3)
وهكذا نجى الله أيوب ورفع عنه البلاء بعد هذه السنوات الطوال من الصبر الصادق .