أيها الناس إن ربكم الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير:?إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ? (3) . خلق الله سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً فالشمس والقمر والليل والنهار آيات عظيمة باهرة دالة على رب عظيم وإله قوي قدير عليم فتبارك الله الذي ?تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً.وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً? (4) .
أيها الناس إن من آيات الله الباهرة في الشمس والقمر ما يجريه الله عليهما من الخسوف والكسوف وهو ذهاب ضوئهما واضمحلال سلطانهما وزوال جمالهما وبهائهما:
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ومن هو فوق العرش فيه موحد
?سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ? (5) عباد الله إن انكساف الشمس والقمر وخسوفهما يدل على قدرة الله النافذة وحكمته البالغة وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى حكمة هذه الآية العظيمة: ففي الصحيحين أن الشمس كسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فزعاً فاقترأ رسول الله قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً ثم رفع رأسه فقال: (( سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ) )ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً هو أدنى من الركوع الأول ثم قال: (( سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ) )ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم خطب خطبة بليغة كان منها أن قال: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة ) ). وقال أيضاً: (( ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده ) ) (6) . فالحكمة الكبرى من الكسوف أيها الناس تخويف العباد وزجرهم عن السيئات وحثهم على الطاعات فالله جل في علاه يخوف عباده إذا عصوه أو عصوا رسله بترك المأمورات والوقوع في المنهيات فالله تعالى يا عباد الله يخوفكم بهذه الآية الظاهرة التي يدركها الصغير والكبير والحاضر والبادي والعالم والجاهل، ينذركم بهذا الاختلال في نظام الكون حصول الكوارث والمصائب ونزول النكبات والعقوبات فالكسوف يا عباد الله قد يكون سبباً لعقوبة حالّة مهلكة كرياح شديدة عاصفة أو أمطار متواترة أو زلازل مدمرة أو غير ذلك من العقوبات فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفاً فإنما يخاف الناس مما يضرهم قال الله تعالى:?وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً? (7) ولذلك وجه النبي صلى الله عليه وسلم أمته عند ظهور علامات التخويف إلى ما تستدفع به الشرور والنكبات ويحصل به الأمن من العقوبات فأمر بالفزع إلى الأعمال الصالحات من الدعاء والذكر والصلاة والعتاق والصدقة والتوبة حتى ينكشف ما بالناس وينجلي عنهم الكسوف والخسوف: ? وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? (8)
أيها الناس إن كسوف الشمس والقمر ليس مشهداً طبيعياً مجرداً خالياً عن المعاني والمضامين بل هو مشهد عظيم مروع ترتعد له قلوب المؤمنين وتنزعج منه أفئدة المتقين إنه مشهد يذكر العبد المؤمن بيوم القيامة الذي قال الله فيه:?فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ .كَلَّا لا وَزَرَ? (9) أي لا ملجأ من الله ? إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ. يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ? (10) ولذلك لما كسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قام رسول الله فزعاً يجرّ رداءه يخشى أن تكون الساعة أفيسوغ بعد هذا أيها المؤمنون أن يقول قائل يؤمن بالله واليوم الآخر: إن الكسوف أمر طبيعي وحدث عادي كشروق الشمس وغروبها لا يوجب قلقاً ولا فزعاً؟ كلا والله بل الأمر كما قال الله تعالى:?وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ .وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ.أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ? (11) .
أيها المؤمنون إن نبيكم محمداً صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الكسوف: (( يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) ) (12) . وهذا يبين ويشير يا عباد الله أيها المؤمنون إلى أن من أسباب الكسوف الشرعية كثرة الذنوب والمعاصي والغفلة عن الآخرة والانهماك في الدنيا ،ألا وإن من أعظم الأسباب التي يحصل بها كسوف الشمس وخسوف القمر كثرة الزنى وظهوره وقد حذر الله أهل الإيمان من قربان الزنى فضلاً عن الوقوع فيه قال تعالى:?وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً? (13) والناظر إلى حياة الناس اليوم يشهد ظهور الزنى ورواج مقدماته وأسبابه وتذليل عقباته ،فالزنى وأبوابه عملة رائجة في الحضارة الحديثة لا يسلم منه إلا الأقلون يستوي في ذلك بلاد الكفر وأكثر بلاد المسلمين فإنا لله وإنا إليه راجعون. فمن علامات ظهور الزنى أنه لا يعاقب عليه قانون إذا كان بالتراضي من الطرفين. ومن ظهور الزنى في حياة الناس أيها المؤمنون ما يبث في القنوات الفضائية والتلفزيونية والشبكية من صور النساء الكاسيات العاريات أو الأفلام والغراميات التي تزين الفاحشة وتشيعها بين المسلمين والمسلمات. ومن ظهور الزنى ما تحويه الصحف والمجلات وغيرها من المطبوعات من صور السافرات والماجنات التي تقول كل صورة منها: هيت لك. ومن ظهور الزنى الدعوة إلى تجريد المرأة المسلمة وخلع جلباب الحياء عنها. ومن ظهور الزنى سهولة الوصول إلى بؤر الفساد وبيوت الخنا وتجار الرذيلة في الشرق أو الغرب البعيد منه والقريب. أفبعد هذا نأمن سخط الله وعقوبته؟ ?أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ? (14) .
أيها المؤمنون إن كثيراً من الناس غرتهم الأماني وغرهم بالله الغرور واتبعوا خطوات الشيطان فتورطوا في المعاصي والموبقات.
أيها الناس إن الذنوب على اختلاف ألوانها من أعظم أسباب فساد الكون وخراب العالم قال تعالى:? وَلا تُفْسِدُوا فِي الأْرضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا? (15) وقال جل ذكره:?ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ? (16) فهذه الخسوفات والكسوفات وغيرها من الآيات نذر يخوف الله بها أولي الألباب فاعتبروا يا أولي الأبصار.
الخطبة الثانية
أما بعد....،