ومن أسباب النصر أن ننصر الله تعالى بأقوالنا و أعمالنا وقلوبنا فإن الله تعالى قال: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ? (12) ونصرنا لله تعالى يكون بتعظيم دينه وامتثال أمره و إعلاء كلمته وتحكيم شرعه والجهاد في سبيله قال الله تعالى في بيان المستحقين للنصر: ?الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ? (13) .
ومن سنن النصر أنه آتٍ لا محالة للمؤمنين الصادقين وأن التمكين للإسلام متحقق رغم العوائق والعقبات فالدين دين الله والله ناصر دينه وأولياءه قال الله تعالى: ?إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ? (14) لكن هذا الوعد لا يعني أن لا يبتلى المؤمنون بالنكبات والأزمات ولا يعني أن لا تصاب الأمة بالمصائب والكوارث بل كل هذا لابد منه ليميز الله الخبيث من الطيب قال الله تعالى: ?أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ? (15) وقد يبتلي الله تعالى الأمة بتأخير النصر أو تمكين الأعداء بسبب الذنوب والمعاصي قال تعالى: ?أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ? (16) فإذا أصررت أنا وأنت على تقصيرنا وذنوبنا فهل نرجو أن يصلح الله الأحوال ويرفع عنا هذا الذل والصغار والانكسار إن هذا لمن أمحل المحال قال الله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ? (17) فإن لم يكن منا نزوعٌ عن الذنوب وإقلاع عن المعاصي ونصرٌ للدين وأهله فإن الله ينصر دينه بغيرنا قال تعالى: ?وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ? (18) .
أيها الإخوة المؤمنون اعلموا أن من أقل ما يجب علينا تجاه إخواننا أن نشعر بما يشعرون به من ألم وضيق فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مثل المؤمنين في تواضعهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ) (19) متفق عليه.
وإن من واجبنا تجاه إخواننا أن ننصرهم بما نستطيع من مال ونعينهم به على جهاد أعدائهم وأعدائنا ونكسو أولادهم ونطعم جائعهم ونخلفهم في أهليهم وذويهم وهذا هو أقل ما يجب علينا تجاههم، فأنفقوا في سبيل الله فإنها من أعظم النفقات قال الله تعالى: ?مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ? (20) وقال صلى الله عليه وسلم: (( أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، دينار ينفقه على دابة في سبيل الله، دينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله ) )رواه مسلم. ومازال السلف الصالح رضي الله عنهم يبذلون جهدهم في الإنفاق في سبيل الله والتقرب إلى الله تعالى بمساعدة الغزاة والمجاهدين وإدخال السرور عليهم بما تصل إليه استطاعتهم قليلاً كان أو كثيراً حتى إن بعض نسائهم تصدقت بشعرها عقالاً لفرس في سبيل الله ?وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ? (21) .
(1) آل عمران: 123
(2) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد برقم: 6938.
(3) البقرة: 183.
(4) آل عمران: 120.
(5) الحج: 38.
(7) المائدة: 82.
(8) المنافقون: 4
(9) البروج: 8
(11) آل عمران: 126.
(12) محمد: 7.
(13) الحج: 41.
(14) غافر: 51
(15) البقرة: 214.
(16) آل عمران: 165.
(17) الرعد: 11.
(18) محمد: 38.
(20) البقرة: 261.
(21) محمد: 38.
وقفة مع المخيمات
الخطبة الأولى
أما بعد ..
فيا أيها الناس اتقوا الله فلا نجاة لكم إلا بتقواه قال الله تعالى: ?وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون? .
أيها الإخوة المؤمنون اعلموا أن أغلى وأنفس ما تملكونه هو أوقاتكم التي هي حياتكم ومزارع أعمالكم ومخازن حسناتكم وسيئاتكم فاليوم أنتم تزرعون وغداً تحصدون وبين يدي الله تعالى موقوفون وعن أعمالكم وأعماركم مسؤولون وبها مجزيون فعن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تزول قدما عن يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه ما فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه ) ) (1) رواه الترمذي.
أيها المؤمنون إن التاريخ لم يشهد أمة عظمت الوقت ولا ملةً حافظت عليه وحثت على اغتنامه كأمتكم هذه فقد أقسم ربكم سبحانه وتعالى بالوقت فقال: ?والعصر (1) إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ? (2) وأمرنا سبحانه بمسابقة الأيام بالأعمال الصالحات فقال تعالى: ?قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ? (3) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك ) ) (4) رواه الحاكم وغيره بسند جيد. والنصوص الحاثة على حفظ الوقت وصرفه فيما ينفع العبد في دينه ودنياه كثيرة عديدة وقد فقه السلف رحمهم الله هذا الأمر فحرصوا على أوقاتهم حرصاً شديداً وكانوا يقولون: من علامات المقت إضاعة الوقت فأثمر هذا الفقه في واقع الأمة علماً نافعاً وعملاً صالحاً وإيماناً صادقاً وجهاداً دائباً وفتحاً مبيناً و حضارة راسخة الجذور باسقة الفروع ، فسادوا العالم قروناً طويلة . فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الأوقات وتفننوا في تبديد الساعات وتبذير الطاقات ، فأرخص ما عند كثير من هؤلاء أوقاتهم يصرفونها بلا حساب ولا تدقيق كأنما كتب لهم البقاء والخلود .