فهرس الكتاب

الصفحة 9509 من 9994

أما كيفية تحصيل هذه النعمة؛ فسبيلها سهل، وطريقها يسير، كما يقول ابن القيم: هلمَّ لتدخل على الله من أقرب الطرق وأوسع الأبواب؛ لأن من الناس من يريد الهداية ولكن الشيطان يضخمها عليه، ويقول له: أنت لا تستطيع أن تهتدي، والدين ثقيل وكبير جداً، ولا مانع من أن تتدين لكن لا تأخذ الدين بعروقه -كما يقولون- وإنما خذ ورقة من رأس الدين، وعندها هل سيكون معك دين؟ إذا أردت أن تزرع شجرة في بستانك فماذا يتطلب الأمر منك؟ أن تأخذ (الشتلة) بعروقها، لكن لو جئت تأخذ من رأس الشجرة ورقة وتغرسها في البستان، فهل تغرس لك شجرة؟ لا. لابد أن يؤخذ الدين بكليته، والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] لا يوجد دخول جزئي أو نصفي، أو فيما أريد وأترك ما لا أريد فلا آخذ من الدين، إلا الذي يوافقني، لا. لابد أن تأخذ الدين جملة واحدة؛ لأن التشليح في الدين لا يصلح، هل تأخذ سيارة ناقصة، لو جئت تشتري سيارة، وجئت تنظر إلى الإطارات وإذا بالإطار فيه ثلاثة مسامير والرابع ليس موجوداً فيعتبر هذا عيباً فيها، فلن تشتريها، وإذا اشتريتها تذهب بها على أن تكمل النقص، لا تريد أن تمشي في سيارتك وهي تنقص مسماراً واحداً، لكن من الناس من يريد ديناً؛ لكن ليس معه من الدين إلا ما يعادل مسماراً واحداً، بعض الناس ما معه من الدين إلا (البوري) ، يعني: معه إسلام لكن ليس فيه شيء، لو نظرنا إلى شخص ركّب له في رأسه (بوري) ووضع له (حجاراً) ويمشي في الشارع ويضرب (بوري) نقول: ما هذا؟ يقول: سيارة أما تنظرون إليها؟ نقول: والله هذا مهبول وليس معه عقل، ومن الناس من ليس معه من الدين إلا المساحات، أو العيون.

الهداية لا تعني العصمة من المعاصي

نحن لا ندعي أن صاحب الدين كامل لا يعصي الله عز وجل، لا. فالعصمة للأنبياء، والعاصم هو الله، لكن نعني أنك تضع نفسك وتخضع كل حياتك لدين الله، عينك تخضعها للدين فلا تنظر بها إلى الحرام، وإذا نظرت مرة تستغفر وتتوب، أما أن تخصص عينيك للشر وللشيطان وأنت تصلي في المسجد فهذا حرام، لكن من يوم تخرج من صلاة العصر إلى المغرب وأنت في المعارض والأسواق تتتبع أعراض المسلمين، وتتلصص على محارمهم، وتملأ عينيك من الحرام وتقول: يا شيخ! أنا أصلي والحمد لله! نعم. صليت ولكنك ما اتقيت الله في هذه العين، والله يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] . أنت تخضع عينيك لدين الله ولكن لست بمعصوم، فقد تقع منك زلة و (قد) هنا لما يستقبل من الزمان على التقليل، وقد يقع منك شيء، فإذا وقع شيء تقول: أستغفر الله وأتوب إليه، ولذا شرع الاستغفار وشرعت التوبة، وبيّن الله أنه غفور رحيم، ولا يكون كذلك إلا لمن يخطئون ويذنبون؛ لأن هذه صفة من صفات الله، قال عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] . معنى الدخول الكلي في الدين أنك تقول: يا رب أنا عبدك وأنت خالقي وسيدي ومولاي وإلهي، وأنا عبدك خاضع بين يديك، أخضع كل حياتي لأمرك، فعيني لا أنظر بها إلا ما تريد، وهذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عن ربه عز وجل قال: (يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بعمل أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) إذا أحبك الله أصبحت عبداً ربانياً، لا تسمع إلا ما يحبه الله (كنت سمعه الذي يسمع به) هل تسمع شيئاً يغضب الله؟ لا. لماذا؟ لأن أذنك هذه ربانية. (وبصره الذي يبصر به) تصبح عينك هذه عيناً ربانية مهتدية؛ لأنها تبصر بالله، هل يمكن أن تبصر حراماً؟ لا. (ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه) لا بد من الدخول الكلي بكل جوارحك، بسمعك، وبصرك، ولسانك، وبطنك، وفرجك، وقدمك، ويدك، تخضع نفسك لله، وتمشي في الخط، هذا معنى الاستسلام لله، الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك والبراءة من أهله؛ هذا معنى الإسلام.

أعلى الصفحة

فرح الله بتوبة العبد

يقول ابن القيم: هيا إلى الدخول على مولاك، فإنه أشد فرحاً بعودتك من رجل فرت عليه ثم وجدها كما جاء في الحديث: (كان في فلاة ومعه راحلته، وعليها زاده ومتاعه، فضلت عنه ولم يجدها، فبحث عنها حتى أيس منها، فنام تحت ظل شجرة ينتظر الموت فردها الله عليه، فلما أفاق وإذا بها واقفه عند رأسه عليها متاعه وزاده وماؤه فقال من شدة الفرح...) لأنه كاد أن يموت حقيقة، إذا ما رجعت لمات، لكن كان في رجوعها حياة له، فكأنه قد حكم عليه بالموت والإعدام والله أعتقه. ما رأيك في هذا الإنسان؟ إنسان حكم عليه بالقصاص وأخرج إلى السوق في ساعة الإعدام، ونزل من السيارة، ورأى (العساكر) مصطفة، ورأى الجموع محتشدة، وهو موثق بالقيود يساق إلى ساحة الإعدام، ووضع في القيد وقرأ عليه الحكم، وقبل إطلاق الرصاص عليه أو ضرب رأسه بالسيف قال له صاحب الدم: فكوه، هو معتوق لوجه الله، ما رأيكم في فرحة هذا الإنسان؟ هل يمكن أن تقاس؟ لو أخذنا شريحة من قلبه وحللناها كيف سيكون وضعه؟ وكيف هي نفسيته؟ هل في الدنيا أسعد منه وأعظم حالة منه في تلك اللحظات؟ لا. فهذا الرجل لا يوجد في الدنيا أعظم حالة منه لما كان سيموت، ويوم استيقظ وإذا بالراحلة موجودة عند رأسه فقام وقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من فرحة هذا الرجل براحلته) لا إله إلا الله ما أعظم حلم الله، وما أعظم عفوه ورحمته! يفرح بك ربك إذا رجعت إليه أعظم من فرحة هذا الرجل الذي كاد أن يموت، أي فرح هذا، وأي نعمة هذه من الله عز وجل.

أعلى الصفحة

كيفية إصلاح الأزمنة الثلاثة بالعمل الصالح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت