فهرس الكتاب

الصفحة 9490 من 9994

تطوف هذه السورة بالقلب البشري، وتحلق به في الآماد والآفاق، والأغوار والأعماق؛ ولكنها تمضي كلها على منهج القرآن، إنها لا تهدف إلى تصوير نظرية العقيدة، ولا إلى جدل يشغل الذهن والفكر؛ ولكن تهدف إلى تقرير حقيقة .. إلى تعريف الناس بربهم الحق؛ لتصل بهم من خلال هذا التعريف إلى العبودية الحقة لربهم الحق، فلا يعبدون الهوى، ولا الشهوات، ولا الأهواء والنفعيات، وإنما يعبدون الله .. يعبدونه بضمائرهم، وقلوبهم، وأرواحهم، يعبدونه بسعيهم وحركتهم، يعبدونه بشعائرهم، يعبدونه في واقعهم، فكله لله؛ لأنه السلطان الذي لا سلطان لغيره في الأرض ولا في السماء، هذا هو هدف السورة. ويكاد اتجاه السورة يمضي إلى هذا الهدف من أولها إلى آخرها: الله هو الخالق، وتلمس هذه القضية من أول آية: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام:1] وماذا بعد ذلك؟ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1] جعل الظلمات ثم جمعها ووحد النور، النور واحد، والظلمات كثيرة: ظلمات الكفر، والنفاق، والشُّبَه، والضلالات، والأهواء، والشهوات ... كثيرة؛ لكن طريق الله واحد، ولهذا يقول الله عز وجل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ [البقرة:257] أي: الظلمات الكثيرة، إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257] . فمِن أول وهلة وأنت تقرأ السورة تجد ثناءً على الله. لِمَ هذا الثناء؟! لأنه أهل الثناء والمجد؛ لأنه الخالق. الْحَمْدُ لِلَّهِ [الأنعام:1] ، وليس الحمد لِهُبَل، ولا للشيطان، ولا لِلاَّت، ولا للنفس، ولا للرغبات، بل لله، لماذا؟! الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1] نور تكشف به. يقول العلماء: إن النور مهما كان ضئيلاً يبدِّد الظلمات مهما كانت معتمة، إذا دخلت مجلساً أو صالة وقد انطفأت الكهرباء وخيَّم الظلام حتى لا ترى يدك، وأردت أن تبدد الظلمة من هذا المكان، ماذا تصنع لتبديد الظلام؟ تأخذ العصا؟! تلاكم؟! تضارب؟! لا، لا تفعل شيئاً، عليك أن تشعل النور، أي نور كان، مهما كانت نسبته، ولو صفراً، هذه (السهَّارية) نور، لو أن القوة فيها صفر أو (5) وات، أو (5) شمعات، لو أنرتها فإن الظلام الذي يملأ الغرفة أين يذهب؟! سوف يخرج من الباب، ولن يبقى، لماذا؟! لأنه دخل الذي يخرجه، وهو النور. فإذا كان في قلبك ظلمة فكيف تخرجها؟! أشعل النور، بعض الناس في قلبه ظلمة، فيحاول إخراج الظلمة فيضيف ظلمة، عنده هم وغم فيقال له: أنت غضبان؟ فيقول: نعم. فيقال: هيا نتمشى، نرى منظراً جميلاً. فيخرج إلى السوق ليرى منظراً محرماً فتزداد الظلمات في قلبه. أو يقول: هيا لنشتري شريطاً فيه أغنية، فيسمع الأغنية من أجل أن يزيل الظلمة، فيزيدها ظلمة على ظلمة. أو يشتري شريط فيديو، أو يركِّب فوق سطح بيته صحناً فضائياً من أجل أن تنصبَّ عليه حمم الظلمات من كل أرض، ما عاد يريد ظلمة واحدة، بل يريد ظلمات العالم كله فوق رأسه، تخرخر على رأسه وامرأته وعياله، وكلما انتهت ظلمة انتقل إلى ظلمة، يعيش على الظلمات، هذا مظلم -والعياذ بالله- ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [النور:40] . والذي يعيش في ظلمات هنا يموت وهو مظلم القلب، ويتحول قبره إلى ظلمات، ويُحشر يوم القيامة في الظلمات.

بين نور الإيمان وظلمات الكفر

يقول الله تبارك وتعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [الحديد:12] ما هو نورهم؟! كهرباء؟! كشاف؟! إنه نور القرآن، والإيمان، والدين، واليقين، معك نور في الدنيا، وكذلك عند الموت والقبر والصراط فالنور ملازم لك، وفي دار الأنوار النور كله، يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد:12] ، أما أهل الظلمات، الذين كانوا في ظلمات الدنيا، وما تعرفوا على أنوار الله، وما حاولوا أن يدخلوا هذا النور في قلوبهم؛ فإنهم أدخَلوا كلَّ أنوار الدنيا إلا نور الله، وسمعوا كل كلام الناس إلا كلام الله ما سمعوه، وقرءوا كل كتب وجرائد الناس ولم يقرءوا كتاب الله، واهتدوا بكل هدي، ولم يهتدوا بهدي رسول الله، فعاشوا في الظلمات، تركوا مصدر النور؛ لأن القرآن سماه الله نوراً، يقول الله عز وجل: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء:174] . وسَمَّى رسوله نوراً: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً [الأحزاب:45-46] . وسمى الله نفسه نوراً تبارك وتعالى، ومن أسمائه الحسنى: النور: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور:35] . فإذا اكتسبت الأنوار من عبوديتك للجبار، وقراءتك لكلام الله، ومن الرسول صلى الله عليه وسلم عشت في النور، ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ [الحديد:28] ماذا ؟! نُوراً تَمْشُونَ بِهِ [الحديد:28] . ويقول الله عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] وهل هذا مثل هذا؟! ما رأيكم برجل في ليلة مظلمة كُلِّف أن يعبر الطريق من قرية إلى قرية، وليس معه شيء، فكيف يصل هذا المسكين؟! لن يصل إلا وقد جرحته الحجارة، وأصابته الأشواك، وربما يقع في الحفر، ويسقط ويتعثر في (المطبات) ، ويصطدم في الجدران، مسكين، ليس عنده نور. وآخر كُلِّف بالمشي في نفس الطريق، وقالوا له: خذ (الكشاف) ، ثم مشى، إذا رأى حفرة أو جداراً تجنبه، وإذا رأى شوكة تعداها، ويصل إلى المكان الذي قصده سليماً يسألونه: ماذا رأيتَ؟! لا شيء. لماذا؟ معي نور؛ الحمد لله. وهذه الدنيا هكذا، أنت مكلف أن تعبر هذه الدار إلى الله، و تمر وتجوز من هذه الدنيا إما إلى الجنة وإما إلى النار، فكيف تمشي بدون نور؟ إذا كانت الرحلة ساعة أو ساعتين فإنك تتعثر فيها إذا كنت بغير نور، فكيف تعيش ستين سنة بدون نور؟! أين هذا النور؟! تذهب إلى شركة الكهرباء؟! لا، هذا نور الدنيا، ينوِّر لك البيت فقط؛ لكن تريد نوراً ينور لك الدنيا والآخرة فبتمسكك بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم تحصل على النور.

من ظلمات النفاق في أرض المحشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت