فهرس الكتاب

الصفحة 9485 من 9994

هذا موسى عليه السلام لما خرج من مصر خائفاً يترقب، وجاء إلى الماء: وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ [القصص:23] أي: تردان غنمهما عن الماء فسألهما قال: لم لا تسقون، ما خطبكما؟: قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ [القصص:23] فقالتا: لا نزاحم الرجال، فكأنه يقول لهما: بما أنكما لا تزاحمان الرجال، فلماذا تخرجون أنتما، ولا يخرج غيركم؟ فبينّا العذر: وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23] ونحن ننتهز الفرص التي ليس فيها تجمعات، حين يصدر الناس، ونأتي لنسقي، فهو رأى أن من الإحسان والبر، أن يسقي لمثل هاتين الفتاتين الطاهرتين العفيفتين، فسقى لهما بدون أجر، ثم تولى إلى ظل شجرة، وماذا قال وهو يدعو ربه وهو بوضع نفسي متعب ومطارد ومحكوم عليه بالإعدام وليس عنده شيء؟ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24] . وإبراهيم عليه السلام يقول: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشعراء:87] كيف يخزيك ربي يا إبراهيم، وأنت أبو الموحدين؟ يقول: لا تخزني يوم القيامة، ولم يقل: أدخلني الجنة، وإنما قال: ولا تخزني: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] . وهذا عيسى عليه السلام يقول الله له يوم القيامة: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:116] والله يعلم أن عيسى لم يقل ذلك؛ لكن ليقرره في عالم الواقع، أما الكفرة الذين اتخذوه إلهاً وأمه من دون الله فإنهم عملوا شيئاً لم يأمر الله به، فيقول له: قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116] ثم قال: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة:117] هؤلاء الأنبياء مغفور لهم، مجتبين مصطفين أخيار، وهم الذين طبقوا الدين، ونحن الذين بعدهم نسأل عنهم: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65] .

البصر والسمع في ميزان إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم

لقد أمرك الله وأمرك رسوله صلّى الله عليه وسلم بغض بصرك، فهل أجبت؟: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] وغض البصر يا إخواني! كما أقول باستمرار: والله راحة لقلبك في الدنيا، وقد كنت أسير أنا وأحد الإخوة ونحن خارجان من المسجد ذاهبان إلى بيتي بعد صلاة العصر، وإذا بامرأتين مقبلتين، وأنا أراقبه أريد أن أرى ماذا يفعل، هل سيلتفت إليهن أم ماذا؟ وأنا -أسأل الله أن يثبتني وإياكم- أجاهد نفسي كأي إنسان لكنه شاب، وأنا كبير في العمر، فنظرت إليه، وإذا به يغض بصره فجزاه الله خيراً، فلما تجاوزناهما، قلت: ما رأيك في غض البصر، هل هو أريح أم النظر؟ قال: والله يا أخي! إن غض البصر أريح. قلت: لماذا؟ قال: لو أني نظرت ربما رأيت شيئاً قد لا يكون جيداً، وقد يشغلني، لكن غض البصر أريح. فغض البصر راحة لقلبك؛ لأن الله يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] لماذا؟ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور:30] ذلك أفضل لكم؛ لأن العيون الدانية الهابطة التي دائماً تتلصص على المحارم ترسل نيراناً إلى القلب، ويبقى القلب تحت وطأة النظر في عذاب مستمر، فكلما رأى امرأة جاءته طعنة ، والنظر يفعل في القلوب فعل السهام بلا قوس ولا وتر، فما دام أنك تطعن قلبك بنفسك لماذا لا تُسلم قلبك وتحميه، والناظم يقول:

وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابر

ويقول الآخر:

وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل

ويقول:

يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً أنت المراد فلا ترم بما تصب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت