ثم بعد الدعاء تأخذ بأسباب الهداية، إذ لا يكفي أن تدعو وأنت هارب، لا بد أن تدعو وأنت مقبل على الله. وبعض الناس يقول: اللهم اهدني، بلسانه! وهو هارب من الله بعمله، يقول:"اللهم اهدني فيمن هديت"وهو يسمر على الأغاني إلى نصف الليل، يُحوِّل الراديو من إذاعة إلى إذاعة إلى أن يجد أم كلثوم أو أي مطرب أو مطربة، وهناك يرفع يده عن الراديو فقد وجد أمنيته، فهل هذا يريد أن يهتدي؟ هذا كذاب، هذا لا يريد الهداية حقيقة بل يريد الضلال. أحد الإخوة يقول: هناك سيارة وقع لها حادث مروري، وبعد ذلك جاءوا إلى الولد السائق وهو يحتضر، يلفظ أنفاسه الأخيرة ويقول: (هل رأى الحب سكارى مثلنا؟) والشريط في نفس السيارة لأم كلثوم تغني وهو معها يردد: (هل رأى الحب سكارى مثلنا؟) هؤلاء سكارى حق، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولا بد عليك وأنت تدعو الله بالهداية أن تسلك السبيل الموصل إليها. الآن الواحد منّا إذا أراد زوجة وقال: اللهم ارزقني زوجة صالحة، دينة جميلة هادئة ذات خلق ودين، وبعد ذلك تراه جالساً في البيت، وكلما قالوا له: تزوج، قال: لا، يا شيخ! الزواج مشكلة، أنا أطلب من الله أن يزوجني فقط، هل تأتيه زوجة؟ يريد أن تأتيه واحدة (مقرطسة) من السماء، لا. ادع الله. ومن ثَمَّ ابحث في المجتمع، وأرسل أهلك وأقاربك يبحثون لك عن زوجة، وإذا قالوا لك: عند فلان بنت صالحة، فعندئذٍ تذهب وتسأل عنه وعن هذه التي ستتزوجها وعن سيرتها وخلقها، وإذا اطمأننت تذهب وتتكلم مع أبيك، ثم يذهب أبوك إلى أبيها، وبعد ذلك مراحل أخرى... ثم تجتمعون في الليلة الأولى للمفاهمات الأولية، ثم تحددون موعداً للعقد، ثم موعداً للزفاف، ولا تدخل عليها إلا وقد تكبدت معاناة شديدة. وهي امرأة من نساء الدنيا، لعلك تظل معها (شهر العسل) وبعد ذلك تتحول الدنيا كلها إلى (بصل) وتعلمون أن (شهر العسل) هذا ليس عرفاً إسلامياً وإنما عادات وافدة، أما نحن فليس عندنا (شهر عسل) نحن في الإسلام حياتنا كلها عسل، لكن الكفار لا؛ لأنهم يلتقون لقاءً بهيمياً، فيحددون (شهر العسل) فإذا انتهى الشهر صار عدواً لها وهي عدوة له، وعاشوا في مشاكل إلى يوم القيامة، لكن الإسلام لا يهمل هذه العلاقات، بل ينسق ويربط الصلة بين الزوج والزوجة وتصير حياتهم كلها عسلاً إلى يوم القيامة، ويكملون الحياة السعيدة -إن شاء الله تعالى- في الجنة إذا كانا صالحين؛ لأن الله تعالى يقول: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21] . ويقول: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24] ويذكر لنا تبارك وتعالى أن الملائكة تقول: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [غافر:8] فلا يطيب لك قرار في الجنة، ولا تحصل لك السعادة كاملة، إلا بأمك وأبيك وزوجاتك وأولادك، إذا كانوا مؤمنين، أما إذا كانوا فجرة فيُذهَب بهم إلى جهنم ويعوضك ربي عنهم في الجنة إن شاء.
أعلى الصفحة
تلاوة القرآن
أنت إذا أردت أن تتزوج فلا بد أن تسلك أسباب الزواج، كذلك إذا أردت أن تهتدي يجب أن تسلك أسباب الهداية، وأسباب الهداية ما هي؟ هذا موضوع مستقل، ولكني سأطرق منه رءوس أقلام فقط. من أسباب الهداية: أولاً: تلاوة كتاب الله. أول شيء عليك بالقرآن الكريم، قال الله تعالى فيه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [الشورى:52-53] ويقول سبحانه: قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15] ويقول سبحانه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء:174] ويقول عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:57-58] . فعد إلى كتاب الله؛ عد إليه تلاوة! عد إليه تدبراً! عد إليه عملاً وتطبيقاً! عد إليه التزاماً واحتكاماً! عد إليه استشفاء! عد إلى القرآن، واجعل حياتك كلها مع القرآن، ليلك مع القرآن، ونهارك مع القرآن، فحين تجلس في المكتب، وليس عندك عمل فخذ المصحف، واقرأ وبمجرد أن يؤذن وأنت الأول في الصف تأخذ المصحف، لكن علاقة الناس اليوم بالقرآن -يا إخواني- علاقة واهية وضعيفة جداً. وهذا هو الذي ترتبت عليه قسوة القلوب، لبعدهم عن كتاب الله وعن النور العظيم، الذي يقول الشاعر في معناه:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول
ترون الناس الآن وسوء علاقتهم بالمصحف، فلو سألت طالب علم -مثلاً-: كم تختم القرآن؟ هل تختم في الشهر مرة؟ قال: لا. الله أكبر! ثلاثون يوماً تمر عليك وما تمر على القرآن مرة واحدة، كان السلف يختمون في كل ثلاثة أيام، وكانوا يختمون في كل أسبوع، وكانوا يختمون في كل عشرة أيام وكانوا يختمون في خمسة عشر يوماً، فأنت أقل ما يمكن أن تختم في كل شهر مرة، كيف ذلك؟ تقرأ كل يوم جزءاً، حتى تكمل الثلاثين ثم تبدأ من أول القرآن إلى أن تنتهي منه بشكل مستمر، تكون -إن شاء الله- بهذا من القارئين للقرآن، وبعضهم يمر عليه العام كله ولا يختم مرة، وإنما تراه يدخل المسجد إذا بقي وقت للقراءة فيجلس لا يستطيع أن يقوم ويأتي بمصحف؛ تصوروا كأنه يستكثر القيام للمصحف ويراه أكثر من حاجته، فيظل جالساً إلى أن يرى -لعل الله يجعل- أحدهم يقوم، فإذا قام واحد ناداه: من فضلك مصحف، نحن تكسرت أرجلنا فلا نستطيع أن نأتي بمصحف، فلا إله إلا الله! وبعضهم اليوم يدخل المسجد ويأخذ المصحف فإذا فرغ من القراءة وضعه في حجره؛ من أجل ألا يقوم مرة ثانية، سبحان الله! ما أكسلك! وما أعجزك يا هذا الإنسان! وبعضهم -والعياذ بالله- يقوم أحدهم يقرأ، ويأتي بالمصاحف وينظر من بجانبه لعلهم يكسبون أجراً وثواباً ويؤجر معهم، فيأتي بمصحف لأحدهم فيقول: شكراً، لا أريد، هؤلاء ممتلئون حسنات، مستغنون. ووالله! لو أعطاه مالاً ولو أقل من خمسمائة ريال ماذا يقول؟ هل يقول: شكراً لا أريدها، لا. بل يلتقطها قبل أن ينظر إليها أحد؟ سبحان الله! تستغني عن كلام الله! لا ترد المصحف، مهما كنت، خذ المصحف واقرأ ولك بكل حرف عشر حسنات: (لا أقول:(ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ثلاثين حسنة تأتيك إذا قلت (ألم) والحسنة الواحدة تساوي الدنيا كلها، ولكن أين عقل الإنسان عندما يضيع هذه الفرص؛ هذا عقله خَرِبٌ، وقلبه ليس منشرحاً لكتاب الله، فارجع إلى كتاب الله وأكثر تلاوته، واحذر من هجرانه.
أعلى الصفحة
أبيات من المنظومة الميمية للشيخ الحكمي