فهرس الكتاب

الصفحة 9408 من 9994

يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه الوابل الصيب من الكلم الطيب -اقرءوه فهو عظيم جداً- يقول: كنا إذا ضاقت بنا الدنيا وسبلها، ونحن طلقاء قمنا بزيارة الشيخ أحمد بن عبد السلام بن تيمية الحراني (شيخ الإسلام) وهو مسجون في سجن القلعة في دمشق، يقول: فوالله ما هو إلا أن نراه حتى يسرى ما بنا من هموم، وهو المسجون، لكنه مع الله، تجد المتروكين تأتي لهم الهموم، والذي مع الله وهو مسجون يعيش في آفاق واسعة من الراحة والأمن. يقول: فإذا سلمنا عليه قال لنا: المسجون من سجن عن خالقه، والمأسور من أسره هواه وشيطانه، ويقول: ما يصنع بي أعدائي، ماذا يصنعون بي؟ أغلى ما عندهم هي أقصى أمنية عندي، يقول: إن سجني خلوة بربي، وإن ترحيلي وتسفيري سياحة في أرض ربي، وإن قتلي شهادة للقاء ربي, ويقول: ماذا يفعلون بي؟ هل عندهم أعظم من هذا، إما أن يكون سجناً، أو ترحيلاً، أو قتلاً، وكلها أمنيات للمؤمنين. ويقول أحد السلف: مساكين أهل هذه الدنيا، جاءوا إليها وخرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: التلذذ بعبادة الله. ويقول ابن تيمية رحمه الله: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. ما هي جنة الدنيا؟ التلذذ بالعبادة، وطاعة الله. هذه -يا إخوان- لا تباع في الصيدليات ولا (السوبر ماركت) ولا يأخذها أهل العضلات والريالات، لا يأخذها إلا أهل الإيمان، في بقالات الإيمان ومستشفيات القلوب في المساجد، ومن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تريد هذه البضاعة ادخل وراجع العلماء واجلس عند أقدامهم، واقرأ كلام الله واقرأ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وداوم على المراجعة في المستشفيات، وامض في الطريق وسوف تجد طعم الإيمان. له طعم ولذة ليست في الدنيا. لذة الإيمان بالله والحب لله وفي الله لا توجد في ملذات الدنيا كلها، الحياة بغيره عذاب وجحيم، الذي لم يجرب فليجرب، التجربة كما يقولون: أكبر برهان، لو أنكم لا تعرفون التفاح، وجعلت أصف لكم التفاحة بكل أسلوب بياني فإنكم لا تفهمونها، لكن لو قطعتها وأعطيت كل واحد قطعة، وقلت: ذق طعمها، فإنه يعرف طعم التفاح بدون إجابات أو بيانات، وكذلك نقول للشباب: ذوقوا طعم الإيمان، سيروا في طريق الإيمان، تذوقوا طعم الحياة، طعم الحياة ليس في الأغاني، ولا النظر المحرم، ولا اللعب، ولا الزنا، ولا الغناء، ولا الربا، ولا الخمور، ولكن طعم ولذة الحياة في الإيمان بالله والعمل الصالح، يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:96] .

أعلى الصفحة

أثر الحب والبغض في تحصيل الإيمان

وأعظم شيء بعد ذلك الحب في الله والبغض في الله، وهو عنوان هذه الجلسة:"لقاء مع الأحبة"الحديث الصحيح يحدث به أنس بن مالك يقول: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فأعرض عنه حتى انتهى من كلامه، ثم قال له: أين السائل عن الساعة؟ قال: هأنذا يا رسول الله! -فالرسول صلى الله عليه وسلم مرب عظيم- قال: ما أعددت لها؟ فقال الرجل: -بتواضعه وبصفاء قلبه وبولائه الكامل لله ولرسوله-: لا شيء يا رسول الله! غير أني أحب الله ورسوله) ما قال الصلاة ولا الصوم، بالطبع هو يصلي ويصوم ويجاهد، لكن يقول: أعددت شيئاً يمكن أن ينفع، أما صلاتي وصومي فلا أعلم هل تقبل أو لا تقبل. نحن الآن نعمل ولا ندري إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] ولما نزل قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60] قالت عائشة كما في صحيح البخاري ، قالت: (أهو الذي يزني ويسرق ويقتل ويخشى الله؟ قال: لا يابنة الصديق، إنه الذي يصوم ويصلي ويحج ويتصدق ويخشى ألا تقبل) فالرجل يقول: لا شيء عندي من مؤهلات للآخرة، لكن عندي شيء أستطيع أن أثق فيه وهو أني أحب الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: (أنت مع من أحببت. يقول أنس: فما فرحنا يومئذ بأعظم من ذلك) ونحن نشهد الله أننا نحب الله ورسوله. ولكن لا بد أن نقيم على هذه المحبة أدلة، الذي يدعي أنه يملك عمارة لا بد أن يكون عنده حجة استحكام، صك شرعي، لكن لو ذهب أحد منا وهو مفلس إلى عمارة من العمارات الكبار التي تناطح السماء وقال: هذه لي، كيف لك؟ قال: لي والله لا يأخذها أحدٌ غيري، يقولون: أين الحجة؟ قال: ما عندي شيء، قالوا: اذهب هذه العمارة لا تأتي إلا بحجة، وبعضنا يريد الجنة بغير حجة، يريد الجنة وهو دجال ليس عنده من العمل الصالح شيء، ويريد محبة الله وهو عدو لله، يقول الشاعر:

تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب طيع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت