فظلم العبد لنفسه: أن يوردها موارد الهَلَكَة: لا يأخذها بالكمال، وإنما يذهب بها -والعياذ بالله- إلى مواطن الزيغ والضلال من الانحرافات، والمعاصي، والذنوب، والزنا، والخمور، واللواط، وقطع الصلاة، وإتيان المعاصي والمنكرات، هذا ظالم؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1] لأن الله حد حدوداً، فهناك حدود للنظر: محصورة في الحلال، وفي التأمل في ملكوت السماوات والأرض، وحدود للأذن: فيُسْمَع شيء معين، وحدود لليد: فيُبْطَش بها شيء معين، وحدود للرِّجل: فيُمْشَي بها في شيء معين، وحدود للفرج: فيَقَع في شيء معين، وحدود للبطن: فيُؤْكَل شيء معين، وحدود للزواج: فيتْرَك الزنا، وحدود للطيبات من عسل وغيره، فتُتْرَك الخمور والخبائث، فهذه هي الحدود (وحد الله حدوداً، فلا تنتهكوها) . ليس هناك شيء إلا وقد جعل الله له حداً، فمن يتعدَّ حدود الله فقد تجاوز هذه الحدود. مثل أنظمة المرور في الشوارع العامة لها حدود، تجد إضاءات في الإشارة صفراء وحمراء وخضراء، الضوء الأحمر يعني: قِفْ، الضوء الأصفر يعني: هدئ السرعة، الضوء الأخضر يعني: تفضل. هذه حدودٌ أم لا؟! لا أحَدَ يأتي ويتعدى الحدود، فعندما يراها حمراء يمشي، هذا ماذا فعل؟ ظَلَم النظام، وظُلْم النظام يترتب عليه عقوبة، بأن جندي المرور يلاحقه، ويأخذ رقمه، ويجازيه؛ لأنه اعتدى على الحق العام بقطع نظام المرور، وتعريض حياة الناس للخطر، وإذا لم توجد إشارات والناس هكذا يتسابقون فستصبح فوضى، وتكون الحياة فيها للأشجع، ولذا إذا لم توجد إشارة ترى الخائف واقفاً طوال يومه، لكن عندما يكون هناك نظام فإن الشجاع والجبان كلاهما وقوفان حتى تأتي الإشارة الخضراء ويمشيان. فالله حد نُظُماًَ في هذا الكون، ضوء أحمر، وضوء أخضر، وضوء أصفر يعني: قِفْ، لا تقرب من هذا الشيء، هذه النظم هي حرمات الله تبارك وتعالى، فالمؤمن وقَّاف عندها، يخاف من العقوبة، ومن القسيمة الأخروية في النار، وأما المنافق والكذاب والكافر فإنه لا يقف عند حدود الله، بل يقف إلى حد الزنا ويتخطاه، رغم أنه مؤشر أحمر: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] لأن (لا) هذه ناهية، و (اعمل) علامة الأمر، والقرآن بين (لا) وبين (اعمل) وبين خبر من الله تبارك وتعالى، فموقفك من (لا) الابتعاد، وموقفك من (اعمل) الامتثال، وموقفك من الخبر التصديق، لا يوجد في القرآن إلا ثلاثة أشياء: إما أوامر، أو نواهٍ، أو أخبار. وأنت عليك التصديق بخبر الله، والامتثال لأمر الله، والابتعاد عن نهي الله تبارك وتعالى، فهنا المؤمن وقاف عند حدود الله عز وجل، ولا يتجاوزها إلى شيء مما حرم الله تبارك وتعالى. فظلم العبد لنفسه أن يتعدى حدود الله.
أعلى الصفحة
ظلم العبد لغيره
وظلم العبد لغيره: أن يعتدي على شيء معصوم للمسلم بدين الله: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا) هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، يوم عرفة، كان يخاطب الناس ويقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، ألا هل بلغت؟!) فدم المسلم وماله وعرضه معصوم، وهل في الدنيا غير دمه، وماله، وعرضه؟! لا شيء لك في الدنيا إلا هذه الأشياء الثلاثة. فلا يجوز لك -أيها المسلم- أن تعتدي على شيء من هذا بغير حق، وإذا اعتديت فقد ظلمت، وديوان الظلم بين العبد وبين أخيه المسلم ديوان حساس لا يتجاوز الله عنه بشيء؛ لأن حقوق العباد قائمة على المشاحَّة، وحقوق الرب قائمة على المسامحة.
أعلى الصفحة
ظلم العبد لربه
والثالث: ظلم العبد لربه وهو أن يشرك به؛ لأن حقُّ الله على العبد أن يوحده، وألا يعبد معه غيره؛ لأن الله هو المستحق للعبادة وهو الخالق وحده: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] فكما أنه الخالق لوحده فإنه المعبود لوحده، فإذا عبدتَ معه غيره فقد ظلمته، ولهذا قال لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] فالله يضل الظالمين؛ لأنهم ظلموا أنفسهم، أو ظلموا غيرهم، أو أشركوا بربهم؛ فيحصل لهم الإضلال بناء على المبادرات السيئة منهم بارتكاب الظلم، وهؤلاء يحصل لهم التسديد بناء على المبادرات الإيجابية الحسنة منهم بالإيمان والعمل الصالح.
من وسائل الثبات على دين الله: تلاوة القرآن الكريم والعمل به
وقد يقول قائل: ما هي وسائل التثبيت؟ أريد أن أثبت على الدين ما دام أن مسألة الثبات بهذا القدر من الأهمية يترتب عليها حسن الخاتمة؛ وهي نعمة يمن الله بها على من يشاء من عباده. إذاً كيف أثبت؟ ما هي وسيلة الثبات على دين الله؟! أريد من الإخوة الشباب حفظهم الله وبارك فيهم، أن يأخذوا هذه الوسائل مأخذ المنهج الذي يسيرون عليه في حياتهم، لا نريد من المواعظ والخطب والمحاضرات والدروس أن تكون فقط للاستهلاك، يعني: نصبح مُدْمِنِي مواعظ، يدخل الشخص إلى الموعظة، ويجلس يتابع الألفاظ، والاستشهادات والآيات والأحاديث، ثم يخرج مثلما دخل، لا تغير الموعظة في حياته شيئاً، هذا لا ينفع أبداً بأي حال من الأحوال، وبعد ذلك -وهذا من أخطر الأشياء على الإنسان- يصبح همه فقط السماع، والنقد، ويخرج لا يتغير ولا يتأثر بأي شيء، وهذا صعب، لماذا؟ لأنه يصبح مدمن مواعظ، لا يستطيع أن يعيش إلا إذا سمع موعظة؛ لكن ما الذي تغيَّر منه؟ ما استفاد من الموعظة شيئاً، فنريد سماعاً وتطبيقاً. فسأذكر اثنتي عشرة وسيلة من وسائل ثبات القلب على دين الله عز وجل: أول وسيلة وأعظم وسيلة للثبات على دين الله -وهي وسيلة ممكنة وسهلة وميسرة- هي: تلاوة كتاب الله عز وجل: تلاوة القرآن العظيم الذي أنزله الله نوراً وهدىً للعالمين من أعظم وسائل التثبيت، لِمَ؟
القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
أولاً: لأنه لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:42] وما دام أن الباطل لا يَرِد عليك أثناء قراءتك للقرآن الكريم، فأنت بالتلاوة محفوظ ومحصَّن: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] .
أعلى الصفحة
تلاوة القرآن الكريم أعظم وسائل الثبات على دين الله