وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ [طه:75] ما هي الصالحات؟ الصالحات تنقسم إلى قسمين: إما فعل طاعة، أو ترك معصية. إذا دعيت إلى معصية وتركتها فأنت عملت الصالحات بترك المعصية، إذا مررت على مؤشر الراديو وأنت في الليل تسمع أخباراً ومرت يدك على أغنية وتركتها هذا الترك للأغنية يسمى عملاً صالحاً، لكن إذا استقرت يدك على الأغنية وقعدت تسمعها وصرفتها من القرآن، هذا عمل سيئ فاسد منكر، وأنت ينبغي لك أن تعمل الصالحات؛ لأنك إذا عملت السيئات فالسيئات على نفسك: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] . فحتى نعطي العمل الصالح الشمول الكامل؛ لابد أن نفهم أن العمل الصالح يقتضي ثلاثة أمور: فعل أوامر الله من الاعتقاد الجازم، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم الخالصة، والصلاة الخاشعة، والزكاة الكاملة، والصيام الزكي، والحج المبرور، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحب في الله، والبغض في الله، وتعليم الناس الخير... هذه كلها أعمال صالحة، وغيرها كثير كما جاء في الصحيحين: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) وفي رواية: (الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) إذا جئت زوجتك، أو أبعدت الأذى عن الطريق عمل صالح، أو لقيت أخاك المسلم بابتسامة وتسلم عليه وتبتسم في وجهه، وأعنت ملهوفاً، أو أعطيت مسكيناً... عمل صالح، المهم الأعمال الصالحة هي كل ما أمر الله به، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن تترك كل ما نهى الله عنه، من أجل أن يصبح عملك صالحاً، فتحفظ سبع جوارح، تحفظ العين فلا تنظر بها إلى ما حرم الله، وتحفظ الأذن فلا تسمع بها ما حرم الله، وتحفظ اللسان فلا تنطق به أو تتكلم فيما حرم الله، وتحفظ اليد فلا تمدها أو تبطش بها فيما حرم الله، وتحفظ القدم فلا تخطو بها خطوة لا ترضي الله، وتحفظ البطن فلا تأكل به شيئاً مما حرمه الله، وتحفظ الفرج فلا تطأ به شيئاً حرمه الله، هذه سبعة أبواب اسمها أبواب المعاصي، لا يعصى الله إلا بواحدة منها، إذا أغلقت عينك وسمعك عن الحرام، وكففت لسانك ويدك ورجلك عن الحرام وحفظت فرجك وبطنك من الحرام، فمن أين تعصي الله؟ فليس معك شيء، غلقت الأبواب كلها، ما معك إلا الطاعات. فهذه الجوارح تجرح في الدين أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ [الجاثية:21] سمى الله السيئات جرحاً؛ لأن الدين ستر والمعاصي عورة وكشف لهذا الستر، وجرح لهذا اللباس الذي ألبسك الله، يقول: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26] يأتي الشيطان يريد يعريك، ويكشف عورتك، ويجرح دينك، بعينك أو بأذنك أو بلسانك أو بأي جارحة من جوارحك، فإذا حفظت هذه الجوارح فأنت تعمل الصالحات. الأمر الثالث من العمل الصالح: تصديق الأخبار، ما أخبر الله به في كتابه أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته فإننا نصدق به تصديقاً يبلغ حد الجزم واليقين والاعتقاد الذي لا يساوره أدنى شك؛ لأنه لا أحد أصدق من الله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:12] .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء:87] وليس أحد في البشر أصدق من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دام المخبر هو الله والناقل الخبر رسول الله، سلسلة ذهبية من الصدق، من ستصدق إذا لم تصدق ربك ورسولك صلى الله عليه وسلم، فيجب أن تصدق الأخبار التي جاءت من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وسلم.
أعلى الصفحة
صفة الجنة وما أعد الله فيها لعباده
وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى [طه:75] الدرجات العلى هي المنازل العالية والأماكن الرفيعة في الجنات، أخبر الله عز وجل عنها بأن فيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ويقول عز وجل: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] كل ما خطر في بالك فالجنة بخلاف ذلك، اذهب بالخيال كل مذهب، وتصور بتصوراتك كل شيء، ثم ستنتهي جميع خيالاتك وتصوراتك عند حدٍ لا يبلغ ما أعد الله لك في الجنة؛ لأن الله يقول: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ [السجدة:17] كيف تتصور إذا كان كل شخص في الجنة عنده قصر، والقصر من درة مجوفة طولها ستون ميلاً في السماء -طول الدرة فقط- له فيها اثنتين وسبعين زوجة، يمكث عند الزوجة كل واحدة نصف نهار الذي يساوي خمسمائة سنة؛ لأن أيام الآخرة اليوم بألف سنة، خمسمائة سنة وأنت عند زوجة واحدة، بعد خمسمائة سنة يضيء في الجنة مثل البرق، برق يراه أهل الجنة ماذا هناك؟ قالوا: هذه حورية تبتسم في وجه زوجها، فإذا رفع رأسه شاهد حورية ثانية قالت: يا ولي الله! أما لنا فيك نصيب، تقول: أنت عندها خمسمائة سنة ما لنا دور، فينتقل من هذه ويذهب إلى الثانية، ويتنقل مثل الشمس في البروج، ماذا هذا النعيم؟ أربعة أنهار تحت بيتك وأنت في القصر، نهر من عسل مصفى، الآن ما وجدنا العسل نغمس فيه فقط، كيف في الجنة أنهار، ونهر من لبن لم يتغير طعمه، لا تنتهي صلاحيته بأسبوع، إذا تأتي تشتريه الآن تنظر متى أصدره، اليوم أو غداً أو بعده متى ينتهي، لكن في الجنة لم يتغير طعمه، دائماً صالح، ونهر ثالث من خمرٍ ليس مثل خمر الدنيا، لذة للشاربين، ونهر رابع من ماء غير آسنٍ؛ لأن آفة الماء إذا ركد أن يأسن ويفسد ويتغير لونه وطعمه وريحه، لكن ماء الجنة غير آسن. ورد في الحديث عند قوله: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ [الزخرف:71] قال صلى الله عليه وسلم: (في الجنة يقف على رأس كل واحد عشرة آلاف خادم مع كل خادم صحفتان، صحفة من ذهب وصحفة من فضة، في كل صحفة لون من الطعام ليس في الأخرى مثله -يعني: عشرون ألف لون من الطعام في الليلة الواحدة- يأكل من أول صحفة ويأكل من آخر صحفة ويجد في آخر لقمة لذة كما في أول لقمة) أنت الآن لما تأخذ في الدنيا أول لقمة لذيذة؛ لأنك جائع وآخر لقمة ليس لها طعم، إذا غصبوك تقول: والله لا أستطيع، وما أذوقها، لا تريدها، لكن لماذا في الجنة؟ لأن الجنة دار نعيم، نعيم في نعيم. أسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهلها وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا المسلمين، وأن يوفقنا للإيمان والعمل الصالح الذي يؤهلنا لها.
أعلى الصفحة
لا يدخل أحد الجنة بعمله