فهرس الكتاب

الصفحة 9288 من 9994

ونحن في دين الله لا نقبل هذا المبدأ حقيقة؛ لأننا لا نبني ديننا على الاحتمالات، فإن كان فأنا رابح وإن لم يكن فلم أخسر شيئاً، لا. وإنما نأخذ أدلتنا باليقينيات، ونتقبلها بالجزم الذي يبلغ جذور وأعماق النفس، بحيث لا يخالط الإنسان منها أدنى شك؛ لأن الشك في دين الله يورث الكفر والعياذ بالله، لكني أورد لكم هذه القضية على أساس أنها قضية عقلية، وصل إليها العقلاء وقالوا: الأحوط لنا أن نؤمن بالله، حتى قال أحد الفلاسفة الغربيين الذين يعيشون في السويد وهو: باسكال، يقول: إما أن تؤمن بالله وإما ألا تؤمن، فماذا تختار؟ يقول: قبل الاختيار توازن بين ما يمكن أن تربحه بالإيمان وما يمكن أن تخسره بالكفر، ثم يقول: إنك بالإيمان تربح كل شيء، ولا تخسر شيئاً مهماً، وإنك بالكفر تخسر كل شيء ولا تربح شيئاً مهماً. فالإيمان حقيقة مربح؛ لأنه يدعوك إلى الفضيلة؛ والصدق والوفاء والبر والعفاف والطهر والكرم والمروءة والشجاعة والنجدة وإلى كل الأخلاقيات التي تستقيم بها حياة الناس، فبالإيمان تربح كل هذه الأشياء، وتربح -أيضاً- الجنة في الآخرة، ويدعوك الإيمان -أيضاً- إلى أن تترك الزنا، والغناء واللواط، والخمور والفجور، والزور وأكل الحرام والربا، كل هذه الأمور تدعو إليها العقول بدون أديان. إذاً: أنت بالدين والإيمان ربحت كل شيء ولم تخسر شيئاً مهماً، خسرت الزنا؛ وهل الزنا مكسب؟ لا. خسرت الخمور، وهل الخمور مكسب؟ لا. خسرت الفجور، وهل الفجور مكسب؟ لا. فأنت لم تخسر شيئاً بترك هذه المحرمات، بل ربحت كل شيء، أما بالكفر والضلال -والعياذ بالله- فإنك تخسر كل شيء، ولا تربح إلا اللعنة والعياذ بالله. ولذلك فإن الخيار الأفضل، والبديل الأمثل هو الإيمان، ولا شيء غير الإيمان! ونحن إذا آمنا لا نربح فقط الآخرة كما يتصور بعض الناس، حينما يقول: اهتدِ والتزم وآمن وتمسك لتكون في الآخرة من الفائزين، لا. بل نربح الآخرة ونربح قبلها الدنيا؛ فربحنا في الدنيا بأن نعمرها بطاعة الله، وربحنا في الآخرة بأن نكون في جوار الله عز وجل، فنجد ثمرة سعينا في هذه الحياة، فنحن بالإيمان نكسب الدارين، وبالكفر والعياذ بالله نخسر الدارين، ولا نخاطر بدنيانا لنربح آخرتنا بل نربح دنيانا وآخرتنا.

ضرورة الإيمان

الإيمان ضروري لكل فرد كي يسعد ولا يشقى، وضروري لكل مجتمع كي يتماسك ولا يتحلل، فبالإيمان تغمر الفرد السعادة، وتكتنفه الطمأنينة، ويشعر بالرضا والارتياح. أما المجتمع بغير إيمان فمجتمع غابة، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة، وبهذا يتبين أنه ينبغي لكل إنسان أن يعرف الوسائل الموصلة إلى الإيمان الصحيح، والأمور التي تحبط هذا الإيمان.

حاجة الإنسان للإيمان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: كلمة هزت مشاعري، وكادت أن تخنقني العبرة، قالها أخي المقدم ولست لها بأهل، وهي: أن يكون لي أيادٍ بيضاء على هذه المدرسة، فحقيقة الفضل لله وحده قبل كل شيء، ثم لمن قام على هذه المدرسة وتأسست على يديه من الإخوة والزملاء، ثم لمن واصل الطريق وأكمل البناء إلى هذه الساعة المباركة وإلى ما بعد ذلك -إن شاء الله- حتى تحقق هذه المدرسة رسالتها، وتؤتي أكلها في إخراج جيل مسلم قرآني يعرف كيف ولماذا يعيش؟ وما هي رسالته في هذه الحياة؟ وزاد من ألمي أن نظرت إلى هذه الوجوه بعد طول غياب، وطول شوق، فإن النظر إلى وجوه أهل العلم والقرآن ومجالستهم ومحبتهم تعتبر قربة إلى الله عز وجل. وأنا أهنئكم وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجزي القائمين على أمركم من مدرسين وإدارة كل خير، فهم هنا لا يؤدون وظيفة رسمية يتقاضون عليها أجراً، وإنما يمارسون رسالة أنيطت في أعناقهم، وهي من أساسيات وظائفهم في هذه الحياة أن يكونوا دعاة إلى الله عز وجل، وأنتم في هذه المؤسسة القرآنية لستم طلاباً كبقية الطلاب في بقية المدارس الذين يطلبون العلم لنيل الشهادة، وللحصول على الراتب والمرتبة، وبالتالي الوصول إلى ما يتمناه الإنسان من أمانٍ مادية بحتة تتمثل في: منصب وجاه ومركب ومنزل، وزوجة حسناء، وتنتهي طموحاته عند هذا الحد المهين الذي هو طموحات كل كافر على وجه الأرض، وليس للكافر بعد هذا أي هدف. لا. هذه ليست أمانيكم ولا أهدافكم، بل أنتم طلاب علم وخدمة لكتاب الله وحفظة لقرآنه، التحقتم بهذه المؤسسة القرآنية واخترتموها اختياراً من بين سائر المدارس؛ لتعيشوا في ظل القرآن ولتتربوا على منهجه، ولتتخلقوا بخلقه؛ وليرى الناس في المجتمع نموذجاً من البشر ما رأوه في غير هذه المؤسسة؛ لأنها تستظل بظل القرآن، هذه هي أهدافكم! وإذا صحت منكم النيات، وصلحت منكم المقاصد، وكان هذا الغرض؛ بارك الله في العمل مهما كان قليلاً، وبارك الله في الجهد مهما كان ضئيلاً، وأوتي الإنسان خير الدنيا ونعيم الآخرة، وإني لأرجو الله تبارك وتعالى أن تكون هذه الأهداف الكريمة، وهذه المقاصد النبيلة متوفرة في نفوسكم، وفي نفوس المدرسين والقائمين على أمر هذه المدرسة من الإداريين، هذا ما أتوقعه إن شاء الله. أما موضوع الكلمة والتي لم أوافق عليها ابتداءً خصوصاً في مدرستكم؛ لأن من يأتي ليلقي كلمة أو موعظة في مدرستكم كمن يجلب التمر -كما يقولون- إلى نجران، فماذا أقول لكم، أو أوجد من فكر أو عظة لمن انتظر منكم الموعظة، وممن أهرب إلا لمن إليه المهرب، ولكن وبإلحاح من الإخوة قبلت لا على أني سأفيد ولكن لعلَّ الله أن يجعلني مستفيداً، ولأحظى بالنظر إلى وجوهكم، فوالله إن اجتماعي بكم والنظر إلى هذه الوجوه المباركة في هذه الساعة لهي من أغلى الأماني، ومن أحلى الساعات في حياتي، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا جميعاً شقيا ًولا محروماً

الإيمان هو التفسير الحقيقي للحياة

الإيمان هو الذي يقدم التفسير الحقيقي لهذه الحياة؛ لأن هذه الحياة لغز حارت في فهمه العقول في القديم والحديث، وترددت في عقول الناس عدة أسئلة عن هذه الحياة، ما هذه الحياة؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين سأذهب بعدها؟ حتى قال شاعر والكفر والضلال تساؤلات تدل على منتهى التيه الذي يعيش فيه، وعلى منتهى الضياع الذي يعاني منه، والفراغ الذي يقتل روحه:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف سرت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري ولماذا لست أدري؟ لست أدري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت