خضعت نفسيَ للباري فسدوا الكائنات……… أنا عبدُ الله لا عبدُ الهوى والشهوات
فهِم هذا أصحابُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فصاغوه واقعاً حياً نابضا، انفعلت بهِ نفوسُهم فترجموه في واقعِ سلوكُهم، صِرتَ ترى شرع الله يدبُ على الأرضِ في صورةِ أناسٍ يأكلون الطعام ويمشونَ في الأسواق.
إذا ما دعو للهدى هرولوا…..…..وإن تدعهم للهوى قرفصوا
روى الإمام البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال:
(كنتُ ساقي القوم في بيتِ أبي طلحة(يعني الخمر) وإني لقائمُ أسقي فلاناً وفلاناً وفلانا، إذ جاء رجلُ فقال هل بلغَكم الخبر، قالوا وما ذاك؟
قال لقد حُرمتِ الخمر، وقد أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي آلا إن الخمرَ قد حُرمت، فقالوا أهرق هذه القلال يا انس.
فما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبرِ الرجل، وما دخلَ داخلٌ ولا خرجَ خارج حتى اهراقوا الشراب وكسرتِ القلال، ثم توضئ بعضهم واغتسل بعضهم ثم أصابوا من طيب أم سليم ثم خرجوا إلى المسجدِ يخوضونَ في الخمر قد جرت بها سكِك المدينة، فقد تواطئتُ المدينة كلُها على تحريمه)
فلما قرأت عليهم الآية:
( فهل أنتم منتهون ) ؟
بعض القوم كانت شربته في يده فلم يرفعها لفيه بل أراق ما في كأسه وصب ما في باقيته وقال انتهينا ربنُا انتهينا.
لم يقولوا تعودنا عليه منذ سنين و ورثناها عن آبائنا كما يفعل بعض مسلمي زماننا.
ما تكونت عصابات لتهريب المخدرات لأن الدين هيمن على حياتهم فاستشعروا رقابةَ ربِهم فبادروا في يسرٍ إلى تنفيذه امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
إن النبيَ صلى الله عليه وسلم، يأمر أهلَ المدينة أن لا يكلموا كعباً حين تخلف عن تبوك.
فإذا الأفواه ملجمةٌ لا تنبسُ ببنت شفةٍ، وإذا الثغور لا تفترُ حتى عن بسمة.
بل إن أبن عمه وحميمَه وصديقَه أبا قتادة، نعم لما آتاه ليسلمَ عليه كعب ما رد عليه السلام، فاستعبرت عينا كعبٍ رضي الله عنه ورجع كسير البال كاسف الحال.
فأمرُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عند هؤلاء القوم فوق كل خُلة.
ثم انظر إليهم لما نزلت توبةُ اللهِ على هذا الرجل، على كعبٍ رضي الله عنه وأرضاه.
تتحركُ المدينةِ وتنتفضُ عن بكرةِ أبيها إلى كعب فإذا الأفواه تلهج له بالتهنئةِ وقد كانت ملجمة، وإذا الثغور تفتروا عن بسمات مضيئة صادقة وقد كانت عابسة.
نفوس لا يحركها إلا دينُ الله حالها:
ما بعت نفسي إلا لله عز وجلَ…….…..فمن تولى سواه يوله ما تولىَ
إنهم لم يقفوا عند امتثال أمره واجتناب نهيه بل تابعوا أفعال المصطفى صلى الله عليه وسلم ولاحظوا تصرفاته بكل دقة وشوق وحرص على الإقتداء حتى إذا ما فعل شيئا سارعوا إلى فعله مباشرة لأنهم يعلمون أن سنته سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك.
ثبت عند أبي دؤود في سننه عن سعيد الخدري قال:
(بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فألقاهما عن يساره.
فلما رأى ذلك أصحابه رضوان الله عليهم القوا نعالهم.
فلما قضى صلى الله عليه وسلم صلاته قال ما حملكم على إلقاء نعالكم؟
قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا). توحيد في الإتباع:
فمن قلد الآراء ضل عن الهدى……... ومن قلد المعصوم في الدين يهتدي
بل كان الناس إذا نزلوا منزلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره تفرقوا في الشعاب والأودية فقال لهم صلى الله عليه وسلم إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان.
فما نزلوا بعد ذلك منزلا إلا انظم بعضهم إلى بعض حتى لو وضع عليهم بساط لعمهم.
تنفيذ في يسر وطاعة وامتثال، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.
هم ذلك السلف الذين لسانهم……….….تنحط عنه جميع اللسنة الورى
تلك العصابة من يحد عن سبيلها…….حقا يقال لمثله أطرف كرى
مما سمعتم أيها المؤمنون يتجلى لنا مظهرُ أفرادِ المجتمعِ المسلم في ظلِ إدراكهمُ الصحيحُ لمفهوم الإسلام، فليستِ المسألةُ عندَهم فرائضَ يفرِضها هذا الدين على الناس بلا موجبٍ إلا رغبةُ التحكمِ في العباد.
بل هيَ مسألة وجودِ الإنسانِ إذا رغبَ أن يكونَ إنسانٍ حقا، لا مجردَ كائنٍ يأكلُ الطعامَ ويشربَ الشرابَ، ويقضي أيامَه على الأرضِ كيفما أتفق، بل هيَ وضعُ للإنسانِ في وضعه الصحيح كإنسان يستشعر رقابة المولى وتلك هي حقيقةُ التقوى.
عباد الله:
هل استشعرَ رقابةَ الله؟
واتقى اللهَ حقيقةً من يشهدُ أن لا إله إلا الله، ويصبح دائبا مجداً مجتهداً في مطعمِ حرام وملبس حرام وغذاءِ حرام؟ يصبحُ وقد ضربَ هذا وشتمَ هذا وأكلَ مالَ هذا وسفك دم هذا ووقعَ في عرضِ ذاكَ وذا.
يصغّر ذا بأراجيفه….… ويرجو بذلك أن يكبرا
ولو عاش في عالم أمثل……. لكان من الحتم أن يصغرا
هل استشعرَ رقابةَ الله؟
من يجلبُ النار ليحرقَ بيتَه وأهله، من يُخربَ بيتَه بيده بوسائلَ لا تزال تُمطره بوابلٍ أو طل من أغاني وأفلامِ ماجنة وقصص سافلة، وترويض للنفوسِ على الكذبِ والنفاقِ وقلب الحقائق؟ قائماً على هدمِ بيتهِ كالدودة التي تخرج من الميت ثم لا تأكل إلا ذلك الميت؟
ألم يستشعرَ أنه لو مات َ على حالته تلك مات غاشاً لرعيته خائنا لأمانته.
حاملاً وزرَه ووزرَ ما جلبه لبيته على ظهره يوم القيامة بقدرِ ما أفسدت هذه الوسائلُ في نفوس أبنائه وأهله من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا.
واللهِ لا يعفيك من حساب الله ولا من لوم الناس ولا تأنيبَ الضمير أن تقول أنا ضحية، وما البديل وما البدل وما المبدل منه؟
وبيتك حقل لاستقبال الأفكارِ والاوضار والأقذارِ تنبتُ فيه وتترعرع، وأنت تسأل ماذا افعل؟
لا يفل الحديد إلا الحديد، والباب الذي يأتيك منه القبيح لا حيلة فيه إلا بسده لتستريح.
آلا إن الشراب له إناء …….فإن دنسته دنس الشراب
أما في هذه الدنيا آمور………….…سوى الشهوات تحرزها الطلاب
أما في هذه الدنيا أُسود…….كما في هذه الدنيا كلاب؟
هل استشعرَ رقابةَ الله؟
من يتعبدُ بأعمالٍ ليس عليها أمرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وحجته ازديادُ الخيرِ وحبُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكم من مريدٍ للخير لا يصيبه.
أي فتنةٍ أعظم من أن ترى أنك خصصت بفضلٍ لم يخصَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه.
( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )
هل استشعرَ رقابةَ الله؟
من ليلُه سهرٌ على ما حرم الله، ويصبحُ مجاهراً بمعصيةِ ؟
من إذا وصل إلى بيئةٍ أجنبيةٍ لا يعرف أمن اليهودِ هو أم من النصارى والمجوس والذين أشركوا:
كلفظ ما له معنى……. كتمثال من الجبس
يسير لغير ما هدف….. ويصبح غير ما يمسي
حقيقة الكلمة لجؤ إلى الله:
وتعرفُ عليه في الشدةِ والرخاء لا على سواه عرافاً كانَ أو ساحراً أو كاهنا أو مقبورا:
لا قبة ترجى ولا وثن ولا قبر….. ولا نصب من الأنصاب….الله ينفعني ويدفع ما بي.
بالله ثق وله أنب وبه استعن…….….. فإذا فعلت فأنت خير معان.
ها هوَ سيدُ المتقين صلوات اللهِ وسلامهُ عليه في الشدةِ والرخاء، لا تراهُ إلا أواباً منيباً مخبتاً إلى ربه فبهداه يهتدي المقتدون.
(ثبت عند ابن حبان في صحيحه عن عطاءٍ رضي الله عنه قال دخلتُ أنا وعبيدُ بنُ عميرٍ على عائشةَ رضي اللهُ عنها، فقال عبيد:
( حدثينا بأعجبِ شيء رأيتهِ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وقالت قام ليلةً من الليالي فقال يا عائشةَ ذريني أتعبدُ لربي،