يقول العلماء: يُحمِّل الله المعصرات من السحب بماء البحر، بعد أن يتبخّر، ثم يسوقه بالريح، فيأتي الملك يهتف ويقول: اسق بلد كذا وكذا، فيذهب السحاب ولكنه لا يسقط منه قطرة، حتى يرسل الله الرياح مُحمّلة بذرات الغبار فتصطدم بالسحاب تلقّحه، فيهبط الغيث بإذن الله.
وهناك فرق بين الرياح والريح، أما الريح فمهلكة دبور مُمرضة، وأما الرياح فنافعة مفيدة مثمرة لا تأتي إلا بخير، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا هبّت الرياح قال: (( اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً ) ) [1] .
كان النبي عليه الصلاة والسلام، يقوم في وسط الليل ليصلي، ثم ينظر إلى السماء ويقول: إن في خلقِ السماواتِ والأرضِ واختلافِ الليلِ والنهارِ لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلقِ السماواتِ والأرضِ ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانك فقنا عذابَ النار [2] [آل عمران:190-191] .
وفي التنزيل والجبال أرساها [النازعات:32] .
أين أرساها؟ ولماذا أرساها؟ وكيف أرساها؟ أرساها في الأرض، قال أهل العلم: طول الجبل في باطن الأرض ضعف طوله فوق سطح الأرض، فكل جبل من الجبال، لم يخرج منه على سطح الأرض إلا الثلث، وبقي الثلثان في بطن الأرض، أوتد الله الأرض بالجبال، ثم وزّعها على القارات والجزر، حتى لا تهتزّ الأرض، ولو جمعها في منطقة واحدة لاضطرب حال الأرض، ولتقلّبت، ولانتهت كل الكائنات الحية الموجودة على سطحها، هذا خَلْقُ الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلالٍ مبين [لقمان:11] .
أروني استعدادات البشر، أروني صنع البشر، أروني خلق البشر يا أيها الناس ضُرب مثلٌ فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يَستنقِذوه منه ضَعُف الطالبُ والمطلوبُ [الحج:73] .
وخلق الله عالم الحيوان، والحديث عنه طويل، قال علماء الحيوان: جعل الله في خياشيم الكلب مادة شامّة، يَعرف بها من بعيد صديقه من عدوه، ولا يصيب الكلب عرق، فإذا أراد أن يتنفس من المسام، لهث في الليل والنهار كمَثَل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركْهُ يلهث [الأعراف:176] .
فمن الذي خلق.. ومن الذي صوّر.. ومن الذي أبدع.
يُرسل الإنسان الحمام الزاجل، يحمل الرسائل من مكان إلى مكان، ويعود إلى صاحبه، فلا يَضِل، ولا يضيع، ولا يضطرب، من الذي علّمه، من الذي بَصَّره بالطريق، من الذي هداه؟ إنه الله الواحد الواحد الأحد، الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثم هدى [طه:50] .
خلق الله العنكبوت، منها صنف وفصيلة تعيش في البحر، فإذا أرادت أن تبيض، بَنَت عُشّها تحت سطح البحر، ثم عمِلَت عُشّاً كالبالون لا يخترقه الماء، وعبّأته بالهواء، وأَسْرَجَتْه بإذن الله بمادة في أنفها، ثم جعلت تبيض في العش فمن الذي أعطى كل شيء خلقَه ثمَّ هدى.
خلق الله النملة، تذهب لرِزقِها في الصباح وتأتي في المساء، تَعلَم بقدوم فصل الشتاء حيث الأمطار والبرد، فتدخِّر قوتها، من الصيف في مخازن تحت الأرض، حتى إذا جاء فصل الشتاء، كان عندها ما تعيش عليه، وإذا خافت أن تنبت الحبةُ التي خزنتها، قسمتها نصفين لئلا تنبت، فمن علّمها؟ ومن بصّرها؟ إنه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
أيها الناس:
إن قضية الخلق والهداية لهي من أهم القضايا التي عالجها الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتقدَّمَ العلم، وتطورت الأبحاث، وكلما تطور العلم، كلما اهتدى الإنسان، وعلم أنَّ لهذا الكون إلهاً لا إله إلا هو.
أما رأيتم لأولئك الذين كانوا في المستعمرة السوفيتية وراء السور الحديدي، خرج كثير منهم يقول لا إله إلا الله، دلَّهم العلم على الواحد الأحد إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر:28] .
فالعلماء كلما تجرَّدوا من العصبية، وأخلصوا في اكتشاف الحقائق، عرفوا الله، واكتشفوا بعض أسرار الكون، وآمنوا به ووحدوه سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيَّن لهم أنه الحق [فصلت:53] .
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] قال الهيثمي في المجمع ( 10 / 138 , 139 ) : رواه الطبراني وفيه حسين بن قيس , الملقب بحنش , وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير , وبقية رجاله رجال الصحيح . وقال الألباني: ضعيف جداً , كما في ضعيف الجامع رقم ( 4461 )
[2] أخرجه مسلم ( 1 / 530 ) رقم ( 763 ) .
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، والمعلِّم النِّحرير، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد:
فإنّ قدرة الله، عزّ وجلّ، تحقق بكلمة واحدة"كن".
إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون [يس:82] .
والله، عزّ وجلّ، أخبر في كتابه أنه سوف يُنطق أعضاء الإنسان، لتشهد عليه، لأنها جند من جنوده تبارك وتعالى: يوم تشهدُ عليهم ألسِنَتُهم وأيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون [النور:24] .
يوم يقول الكافر لجلْده: كيف تتكلَّم؟ كيف تشهد عليَّ، من أنطقك، فيجيب: أنطقنا الله الذي أنطق كلَّ شيء [فصلت:21] .
وفي السنة والسيرة أحاديث كثيرة، أظهر الله فيها قدرته على ألسنة الحيوانات، حيث تكلّمت بألسنة عربية فصيحة، أنطقها الواحد الأحد، ليبيّن أنه على كلّ شيء قدير.
ففي صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (( إني لأعرف حجراً في مكة كان يسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث ) ) [1] ، هكذا في الصحيح، حجر، جماد، كان إذا مر به النبي عليه الصلاة والسلام، يقول له بصوت وبحروف، وبنطق: السلام عليك يا رسول الله.
خرج سليمان عليه السلام يستسقي بقومه وقد علَّمه الله منطق الطير، فوجد نملة رفعت أيديها وأرجلها تدعو الله، تشدو بذكره، تهتف باسم الواحد الأحد، تحتاج إلى الماء، فلا تجد إلا من بيده خزائن السماوات والأرض فتدعوه.
رفعت أيديها وأرجلها تبتهل إلى الله وتدعو بنزول القطر، فرآها نبي الله سليمان وتبسم، وقال لقومه من بني إسرائيل: عودوا فقد سُقيتم بدعاء غيركم، قال تعالى: وما من دابَّةٍ في الأرض إلا على الله رزقُها ويعلمُ مستقرَّها ومستودَعَها كلٌّ في كتاب مبين [هود:6] .
خرج رجل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، إلى ضاحية من ضواحي المدينة يرعى الغنم، فأخذ الذئب من غنمه شاة، فطارده الرجل حتى أخذ منه شاته، فقال الذئب بلسان فصيح: أتأخذ رزقاً رزقنيه الله، فدُهش الرجل وقال: يا عجباً !! ذئب يُكلّمني.. قال الذئب: أين الراعي يوم لا راعي لها إلا أنا. يقول: أنت تحميها الآن، ولكن سوف يأتي زمن قبل الدجال لا راعي إلا الذئب، وفي هذا اليوم لن تمنعها أنت ولن تحميها؛ لأني أنا الذي سأحميها.
ثم قال الذئب للرجل لما تعجّب من تكليمه إياه: أعجب من ذلك رجل بين الحرتين، يوحى إليه صباح مساء [2] .
يقول: أعجب من تكليمي لك، رجل وهو النبي عليه الصلاة والسلام، يأتيه الوحي من السماء، لا يقرأ، ولا يكتب، وما تعلّم، وما درس، ومع ذلك أتى بشريعة ربانية، وبوَحيٍ سماوي، وبمنهج خالد.
وفي الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: (( أتى رجل من بني إسرائيل فركب بقرة، كما يُركب الحمار، فالتفتت إليه البقرة وقالت: ما خُلقنا لهذا، إنما خُلنا للحرث ) ) [3] ، تكلّمت البقرة، فمن أنطقها؟ أنطقها الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثمّ هدى.