فهرس الكتاب

الصفحة 9264 من 9994

أما النوع الثاني من الصبر الذي تحتاجه يا عبد الله فهو الصبر عن الشهوات والملذات وذلك أن النفس ميالة إلى الآثام، تَوَّاقة إلى الشهوات، فإن لم تلجمها بلجام التقوى وتحكمها بحكمة الصبر وقعت في الآثام وتلطخت بالأوزار، فالإعراض عن الملاهي والإدبار عن الشهوات لا يأتي إلا لمن تدرع بلباس المجاهدة والصبر، ولا يلقاه إلا الصابرون قال الله تعالى: ?وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا? (15) .

فيا أخي الحبيب إذا دعتك شهوتك إلى مواقعة ما حرمه الله عليك فعليك بالصبر عن ذلك فإن سلعة الله غالية وإذا أزتك نفسك لغيبة أخيك أو سبه أو شتمه أو التنقص منه فاصبر عن ذلك.

فعاقبة الصبر الجميل جميلة وأحسن أخلاق الرجال التحفظ

وإذا سولت لك نفسك ودعاك جشعك إلى أن تظلم إخوانك وتأخذ حقوقهم بغير حق فكف عن ذلك واصبر فبالصبر تنجو من غوائل المعاصي والرزايا وتحصل الفضائل والمزايا:

أيا صاحبي إن رمت أن تكسب العلا وترقى إلى العلياء غير مزاحم

عليك بحسن الصبر في كل حالة فما صابر فيما يروم بنادم

وأما ثالث أنواع الصبر التي يحتاجها العبد فهو الصبر على أقدار الله تعالى ألا وإن من أعظم الصبر: الصبر على قضاء الله وهذا النوع من الصبر لا غنى للإنسان عنه فإنه إذا استحكمت الأزمات وتعقدت حبالها وترادفت الضوائق وطال ليلها، وادلهمت الخطوب والنكبات واشتد أوارها فالصبر خير مطية يرتحلها العبد لتخطي تلك الظلمات والنجاة من تلك المصائب والمدلهمات، وحده هو الذي يخرجك من تلك الظلمات وينجيك من تلك المدلهمات فالدنيا مليئة بالغُصص والمنغصات قال تعالى: ?لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ فِي كَبَدٍ? (16) فمن ذا الذي لا يشكو هماً ولا يحمل هماً ولم تطرقه الدواهي و تَغْشَه الكروب، فهي كما قال الأول:

جبلت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار

فكلنا يشكو ضيماً، ويحمل هماً كما قال الله تعالى: ?لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ فِي كَبَدٍ? (17) أي عناء ومشقة:

كل من لاقيت يشكو دهره ليت شعري هذه الدنيا لمن

والناس إزاء هذه الحقيقة الخلقية القدرية الكونية صنفان: قوم قابلوا أقدار الله تعالى بالسخط والضجر والجزع فخسروا دينهم وأضاعوا دنياهم فذلك لا يرفع خطاباً ولا يكشف كرباً بل هو إثم وذنب؛ وقوم إذا نزلت بهم نازلة تذكروا قول الله تعالى: ?مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ? (18) فآمنوا بالله واصبروا على قضاء الله وقدره وافزعوا إلى ما أرشدكم إليه نبيكم صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها ) ) (19) رواه أحمد بسند جيد. فاسترجعوا وصبروا ففازوا وظفروا، فاحرصوا عباد الله على أن تكونوا من الصابرين المسترجعين عند حلول البلاء والشاكرين المقرين عند نزول النعماء.

الخطبة الثانية

أما بعد...

فالصبر يا عباد الله درجات ومنازل أعلاها صبر المرسلين والأنبياء الذي نالوا به عز الدنيا والآخرة صبر الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله الذين منهم من قتل ومنهم من ضرب ومنهم من جرح وجلد وسجن فصبر هؤلاء لله وبالله.

فيا ورثة الأنبياء ويا حملة الرسالة ويا دعاة الإسلام ويا علماء الشريعة ويا أبناء الصحوة ويا أهل الخير والدعوة ويا أيها المؤمنون أنتم أحق الناس بهذه الصفة وأحوج الخلق إلى هذه الخلة فإنكم ستلقون خطوباً عظاماً وعقبات كباراً ومتاعب وآلاماً تنوء بها الظهور وتضعف عن حملها الجبال فأنتم تدعون الناس إلى عبادة الله وحده وهجر الهوى والشيطان وترك المحاب والشهوات وتطالبونهم بأن يقفوا عند حدود الله أمراً ونهياً وفعلاً وتركاً، فأعداؤكم كثر ومعارضوكم أكثر الخلق قال الله تعالى: ?وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ? (20) فما أحوجكم إلى صبر تقطعون به هذه المفاوز ومجاهدة تتحملون بها معارضة أكثر الخلق فإن أشق ما على النفس أن تدعو بملء فيك وبأعلى صوتك بشيراً ونذيراً فلا تجد إلا آذاناً صماً وقلوباً غلفاً.

ما أمس حاجتكم إلى صبر جميل تستعينون به على تلقي ما يلحق بكم من أذى قولي أو فعلي حسي أو معنوي فأعداء الله لايرقبون في مؤمن إِلاًّ ولا ذمة ولا يتورعون عن إيقاع الأذى بشتى صنوفه على أولياء الله من العلماء والدعاة والعباد بل وعلى كل من قال: لا إله إلا الله وما قصة أصحاب الأخدود عنا ببعيد ولا ما يجري على كثير من أهل الإسلام ورجالاته وعلمائه ودعاته من الأذى والقتل والضرب والسجن والمطاردة والإبادة ومصادرة الحقوق والحريات وغير ذلك عنَّا بغائب. فعليكم أيها المؤمنون أن توطنوا أنفسكم على احتمال المكاره دون ضجر وانتظار الفرج دون ملل ومواجهة الأعباء والصعاب دون كلل فإن هذه سنة الله تعالى في عباده ليميز الخبيث من الطيب قال الله تعالى: ?لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ? (21) وما أشد حاجتكم إلى الصبر يا ورثة الأنبياء عند تأخر النصر والمدد من الله فإن النصر لا تشرق شمسه إلا بعد ليل طويل حالك مليء بالشدائد والمحن التي تدمع لهولها الأبصار، وتبلغ لشدتها القلوب الحناجر قال الله تعالى ?أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ? (22) .

ومما يعينك يا عبد الله على الصبر في التعلم والدعوة والصدع بالحق أن تنظر إلى حسن العاقبة وعظيم الأجر وما أعد الله تعالى للصابرين فقد قال تعالى: ?إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ? (23) وأن الله سبحانه وتعالى معك ينصرك ويؤيدك قال الله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ? (24) .

ومما يعينك أيضاً أن تنتظر الفرج من الله فإن الفجر لا يطلع إلا بعد اشتداد ظلمة الليل والعاقبة للمتقين ومما يعينك أيضاً أن تتذكر حال السابقين الصادقين من النبيين وغيرهم وما جرى لهم وكيف كانت العاقبة لهم فإن ذلك مما يثبتك ويصبرك قال الله تعالى مخاطباً نبيه: ?فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ? (25) .

واعلموا أيها المؤمنون أننا في هذه الأزمان المتأخرة من أشد الناس حاجة إلى الصبر فإن الباطل انتعش وكثر أعوانه ودعاته فتكالبت علينا الأعداء من كل حدب وصوب وقد أرشدنا إلى ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيها مثل القبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله ) ) (26) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وهو كما قال بمجموع طرقه وتذكروا أن الصبر والمجد لا يحصل إلا بالتعب والكد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت