فهرس الكتاب

الصفحة 9201 من 9994

أيها المسلم، إن الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه، وإن الباطل أمام الحق ضعيف، لكن إذا وُجد أهل الحق والهدى، ذوو الصبر والتقى والإخلاص لله، واليقين بنصر الله.

إن السحرة أمام الحق ذهب سحرهم، وتبعثر سحرهم، ذاك أن الساحر إنما عمدته شركٌ بالله، واستعانة بالشياطين، واستعمال الأمور التي يُظَن أنها حقائق، ولكنها باطل وكذب، فالساحر أمام صاحب الحق لا بد أن ينهار، وإذا قرئ القرآن عليه بَطُل سحره وذهب باطله الذي كان رائجا عنده. إن الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه، إنها دعوةُ موسى وسائر أنبياء الله، تلكم الدعوات الصادقة التي أخلص فيها أنبياء الله في دعوتهم، وصدقوا الله في دعوتهم، فوفقهم الله وأعانهم.

وبعد ذلك ما زال فرعونُ في مكيدته بموسى ومن معه، فعزم موسى على مفارقة دار فرعون، وخرج وقومُه يقصدون البحر، فجاء فرعون بقوته ليقضي عليهم، فلما قرب من البحر قال له قومه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ [الشعراء:61، 62] ، وأوحى الله إليه: أَنِ اضْرِب بّعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء:63] ، فضربه بعصاه، فانقسم البحر إلى أثني عشر طريقاً، عِدَّةَ قوم موسى، سلكوه آمنين مطمئنين، يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى [طه:77] . رأى فرعون تلك المعجزةَ فظنَّ أنه سيظفر بها، فتقدَّم فلما اكتمل عددُهم أمر الله البحر فأطبق عليهم فأغرقهم، فلما أحسَّ بذلك قال: ءامَنتُ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ الَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْراءيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] ، فانظر إلى نصر الله، وتأييده لنبيه، وهكذا المسلم الداعي إلى الحق والهدى إن هو صدق في دعوته، وتحمَّل كلَّ المشاقِّ في دعوته، وكان صادقا محتسباً، على حقٍ ومنهجٍ قويم، فالنصر لأولياء الله، إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفره وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، لما أنجى الله موسى وأغرق فرعونَ صام موسى عليه السلام يومَ العاشر من محرم شكراً لله على نعمته وفضله عليه بإنجائه وقومه وإغراق فرعونَ وقومه، صامه موسى عليه السلام، وتلقته الجاهلية من أهل الكتاب، فكانت قريشٌ تصومه في جاهليتها، وكان النبي يصومه معهم.

قدم المدينةَ مهاجراً، واليهود إذ ذاك بها، فوجدهم يصومون اليوم العاشر، سألهم: ما سبب الصيام؟ قالوا: يومٌ أنجى الله فيه موسى ومن معه، وأغرق فرعونَ ومن معه، فصامه موسى شكراً لله، فنحن نصوم، قال لهم: (( نحن أحق وأولى بموسى منكم ) ) (2) [1] ، نحن أحق وأولى بموسى من أهل الكتاب. أجل، إن محمداً وأمته أولى بموسى وأولى بكل الأنبياء؛ لأنهم آمنوا بالأنبياء، وصدَّقوا رسالاتهم، آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ [البقرة:285] ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَاذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:68] ، فصامه محمدٌ شكراً لله على ما منحه موسى عليه السلام، فصامه وأمر الناس بصيامه، وأرسل إلى قرى الأنصار: (( من أصبح صائماً فليتمَّ صومَه، ومن أكل فليتمَّ بقيةَ يومه ) ) (3) [2] ، فلما افتُرض رمضان أخبرهم أن من شاء صام، ومن شاء لم يصم، لكنه رغَّبنا في صيامه فيقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ما رأيت رسول الله يصوم يوماً يتحرَّى فضلَه على الأيام من هذا اليوم، يعني يوم عاشوراء، [وهذا] الشهر يعني شهر رمضان (4) [3] . وقال أبو قتادة قال رسول الله: (( صوم يوم عاشوراء أحتسبُ على الله أن يكفر سنةً ماضية ) ) (5) [4] .

صام تسعَ سنين صامَ عاشوراء، وفي العام الأخير قال: (( لئن عشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسعَ ) ) (6) [5] ، يعني مع العاشر، وتوفي قبل أن يصومه، وقال لنا: (( صوموا يوماً قبله، أو يوماً بعده، خالفوا اليهود ) ) (7) [6] . ونحن ـ إن شاء الله ـ سنصوم غدا السبت، وبعد غد الأحد، ومن أحبَّ أن يصوم الاثنين معهما فخير، ولكن صوم يوم السبت والأحد هو الآكد. نسأل الله أن يوفقنا لكل عمل صالح.

أيها الإخوة، قد يورد إنسانٌ سؤالاً فيقول: صُمتم يومَ عاشوراء لأن موسى صامه؛ لأن الله أنجاه من فرعون وأغرق فرعون، أفلا نصوم يوم مولد النبي ؟! أفلا نصوم صبيحة ليلة الإسراء؟! أفلا نصوم يومَ الهجرة؟! أفلا نصوم يوم البعثة؟!

نقول: يا أخي، إن عبادتنا ليست بأهوائنا واستحساننا، وإنما نعبد اللهَ على ما شرع لنا على لسان نبيه ، فلو شرع لنا صيامَ يومِ المولد بذاته لقلنا: نعم، لكن شرع لنا صيامَ يوم الاثنين؛ لأن النبي رغَّبنا فيه وأنه يوم أوحِي إليه فيه، ويوم بُعث فيه، لكن ما شرع لنا أن نتعبَّد بيوم مولد أو بيوم هجرة، إنما نحن نصوم كما أُمرنا، فصيامنا يومَ عاشوراء اقتداء نبينا ، وصيامنا يومَ الاثنين ويومَ الخميس اقتداء بالنبي ، فعباداتنا لا تنطلق من مجرَّد أهوائنا، إنما هي من تشريع الله لنا، فلو كان مولد النبي وافقَ اليومَ الثاني عشر من ربيع الأول يوم الجمعة أو يوم السبت أو يوم الأحد أو يوم الثلاثاء أو يوم الأربعاء قلنا: لا يشرع لنا صيام ذلك اليوم؛ لأن النبي ما علق الصوم بذات الولادة، إنما شرع لنا صيام يوم الاثنين في عموم السنة، شكراً لله على إنزال الوحي إليه وعلى بعثته، لكن لو كان للثاني عشر في غير يوم الاثنين لم يُشرع لنا الصيام لأن الصيام يوم الاثنين لم يختص بشهر معين، وإنما صيامه عام في السنة، والمسلم يتبع ولا يبتدع، لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] .

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

وصلوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمد امتثالا لأمر ربكم حيث يقول: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب: 56] .

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...

(1) أخرجه مسلم في الصيام، باب: فضل صوم المحرم (1163) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.

(2) أخرجه البخاري في الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء (2004) ، ومسلم في الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء (1130) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(3) أخرجه البخاري في الصوم (1960) ، ومسلم في الصيام (1136) من حديث الربيِّع بنت معوِّذ رضي الله عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت