فهرس الكتاب

الصفحة 9198 من 9994

ومع حرص فرعون وطغيانه وجبروته فقد قدر الله أن يولد موسى عليه السلام في السنة التى يقتل فيها كل مولود لبنى إسرائيل. وأن ينجو من بأسه وقتله وقد حزنت أمه حين حملت به خوفاُ عليه، وحين وضعته. واستمر الخوف يلاحقها حتى أوحى إليها أن ترضعه، فإذا خافت عليه فلتضعه في صندوق ثم تلق به في البحر وسيحفظه الله ويرده إليها وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (2) [2] [القصص:7] .

ولكم معاشر المسلمين أن تعجبوا من قدر الله وأمواج البحر وقد بدأت تقذف بتابوت الرضيع موسى عليه السلام ذات اليمين وذات الشمال حتى أوصلته إلى بيت فرعون.

وكأن الله تعالى أراد - فيما أراد - أن يظهر عجز فرعون وضعفه أمام قوة الله الجبار وقدرته.

فإذا كان فرعون يقتل الغلمان من أجل هذا الغلام. فها هو الغلام يولد. ويسلم من القتل رغم المتابعة الدقيقة، فإذا سلم ووصل إلى بيت فرعون دون عناء أو بحث، فهل يستطيع الملك الطاغية أن يقتل غلاماً مازال في المهد؟

كلا وعناية الله تحيط بالغلام ورعايته سبحانه تتولاه، وصدق الله إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (3) [3] وتحقق وعد الله فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون [القصص:14] .

ويبدأ موسى عليه السلام في دعوة فرعون وملئه .. ويصر أولئك على الكفر والمعاندة، ويستمر بلين الدعاة بالقول تارة،وبالحجة الباهرة تارة، ويؤكد موسى وهارون عليهما السلام نبوتهما بالبراهين القاطعة والمعجزات الظاهرة، ويظل الحوار مع فرعون صريحاً جاداً تظهر فيه الربوبية الحقة لله رب العالمين، وتسلخها من فرعون الدعي العنيد وتنسف الدعوة الكاذبة،ويظهر الحق رغم المكابرة والاستهزاء والتهديد: قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون [الشعراء:23-28] .

وحين شعر فرعون أن موسى عليه السلام قد غلبه بالحجة والبرهان لجأ إلى القوة والسلطان وهدد بسجن موسى إن هو عبد الله وحده ورفض ما عليه الناس من عبودية فرعون: قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين [الشعراء:29] .

أيها المسلمون: وحين نتجاوز كثيراً من المشاهد والمواقف ونصل إلى نهاية القصة نجد العبرة فيها والدروس أبلغ، وموسى والمؤمنون معه يفرون بدينهم من وجه الطاغية بأمر الله، ويصر فرعون وجنده على اللحاق بهم، بل ويرسل فرعون في المدائن حاشرين، ويقول عن المؤمنين: إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون [الشعراء:53-55] .

و يبلغ الكرب بالمؤمنين نهايته والبحر أمامهم والعدو خلفهم، وهم لا يدرون ماذا في غيب الله وعلمه فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم [الشعراء:61-68] .

إخوة الإيمان: وبين البدء والنهاية في هذه الملحمة العظيمة التي وقعت في اليوم العاشر من هذا الشهر، شهر الله المحرم عدد من الدروس والعبر المهمة، ومنها:

1-أن نور الله مهما حاول المجرمون طمس معالمه، وأن الطغاة وإن أثروا في عقول الدهماء فترة من الزمن واستمالوهم بالمنح والعطايا فإن القلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء، وتأملوا في حال فرعون وسحرته، وكم وعدوا لقاء مواجهتهم موسى، ومع ذلك انقلبوا فجأة عليه ، واستهانوا بما وعد به حين أبصروا دلائل الإيمان، ولاذوا بحمى الملك الديان، فكانوا أول النهار سحرة، وآخره شهداء بررة وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين قالوا يا موسى إما أن تلقي وأما أن نكون نحن الملقين قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون [الأعراف:113-122] .

إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية هذا الموقف بين فرعون وملئه، والمؤمنين من السحرة السابقين.

وإنه موقف حاسم ينتهي بانتصار العقيدة على الحياة، وانتصار العزيمة على الألم، وانتصار الإنسان على الشيطان (4) [4] .

وليس هذا أول خرق في سفينة فرعون فقد كان في بيته مؤمنون، ومع ضعف النساء فقد تحدت آسية امرأة فرعون زوجها، وشمخت بإيمانها ولم تفتنها الدنيا ومباهجها.

وضرب الله بها مثلا للمؤمنين وقالت رب ابنِ لى عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين [التحريم:11] .

ووجد في آل فرعون مؤمنون ناصحون رغم العنت والأذى: وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم [غافر:28] .

بل وجد سوى هؤلاء ذرية من آل فرعون آمنوا بموسى رغم الخوف وخشية الفتنة في الدين فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على الخوف من فرعون وملئيهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين [يونس:83] .

قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما - في تأويل هذه الأية - ( فإن الذرية التى آمنت لموسى من ناس غير بني إسرائيل، من قوم فرعون يسير، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون وامرأة خازنه.

وقال ابن كثير: قليل من قوم إسرائيل، لا من قوم فرعون.

وقال ابن كثير: وفى هذا نظر لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب، وإنهم من بني إسرائيل، والمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى عليه السلام واستبشروا به، وكانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبهم المتقدمة. (5) [5] ..

وكذلك يبدد نور الإيمان دياجير الظلام في أجواء تَخنق فيها العبودية لله رب العالمين ويكره الناس على العبودية من دون الله ..

الخطبة الثانية

الحمد له رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره وأثنى عليه الخير كله، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء وعلى آله وصحابته أجمعين.

أيها المسلمون: أما الدرس الثاني من قصة موسى عليه السلام مع فرعون: فقد عاش المسلمون في أيام فرعون ظروفا عصيبة ملؤها الخوف والأذى، ووصل بهم الأمر أن يسروا بصلاتهم ويتخذوا المساجد في بيوتهم قال الله تعالى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين [يونس:87] .

و المعنى: كما قال العوفي عن ابن عباس في تفسير الآية: قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة، وأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم.

وقال مجاهد: لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة.. أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سراً وكذا قال قتادة والضحاك. (6) [1]

الدرس الثالث: وفى ظل هذه الظروف العصيبة أمر المسلمون بالصبر عليها والاستعانة بالله على تجاوزها بالوسائل التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت