أيها الأخوة الكرام ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الصائمين الفتور والانقطاع عن العمل الصالح فإنه من الملاحظ أن كثيراً من الناس يقبلون في أول هذا الشهر الكريم على العبادة والطاعة خاصة في أوله إلا أن هذا الإقبال ينحسر بعد مضي عد من الأيام ولا ريب أيها الأحباب أن هذا من الحرمان حيث ينقطع هؤلاء عن الخير في شهر الخيرات بسبب العجز أو الكسل أو الملل وعدم اعتياد الطاعة وعدم صبر النفس عليها وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على الطاعة فقال: ? وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? (6) فعلينا أيها الأخوة أن نصبر أنفسنا على الطاعة ومما يعينك على هذا أن تعلم أن أفضل هذا الشهر آخره وما ذلك والله أعلم إلا أن الله تعالى ادخر الفضائل والدرجات العلى لمن صبر على الطاعة وأدام العبادة فالكسالى والبطالون سينقطع سيرهم عند أول الطريق وإنما يعانق المجد من أوفى ومن صبرا فسلعة الله غالية
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها إلا أولوا التقوى مع الإيمان
جعلنا الله وإياكم منهم.
فأديموا طاعتكم فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ولا تؤجلوا ولا تسوفوا بل بادروا وسارعوا إلى الطاعة كما قال الله تعالى آمراً عباده: ?وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ? (7)
ومن الأخطاء أن بعض الصائمين جعل الصيام سبباً يرجع إليه ما يصدر عنه من رذائل سلوكية ومخالفات ولوثات خلقية فكثير من هؤلاء تجده يستفز عند أدنى سبب ولأتفه ملابسة فيصدر من الألفاظ ما يصم الآذان وبعضهم يسوء خلقه وتخشن معاملته فإذا عاتبته أو نصحته قال لك: أنا صائم فليت شعري أما علم هذا أن الصيام فرض لتهذيب الأخلاق وكبح السيئات؟ أما شعر هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان؟ أما درى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ) (8) رواه البخاري وأنه قال: (( الصيام جنة ) ) (9) أي وقاية يتقي بها العبد الآثام والسيئات والرذائل والنار (( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإنه سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم ) ) (10) متفق عليه. فالصيام سبب لكبح جماح النفس والهوى والشيطان وليس ميرراً لمقارفة الخطايا والرذائل والآثام
يا صائماً عافت جوارحه الخنا أبشر برضوان من الديان
أيها الأخوة الكرام ومن الأخطاء أن بعض الناس يرتبط في ذهنه الكسل والعجز والخمول بالصيام ولذا فأن كثيراً من الناس يوقف نهاره للنوم أو التناوم فلا هو في دنيا ولا في دين وهذا من أعظم الخسار وقد كان هذا الشهر عبر تاريخ الأمة العريق شهر نصر وعزة وتمكين وهذا لا يكون للعاجزين الخاملين النائمين بل هو للمجاهدين العاملين العابدين.
ومن الخطاء التي يقع فيها بعض الناس التقصير في معرفة ما يجب عليهم معرفته من الشرائع والأحكام المتعلقة بالصيام فلا يتعلم ما يجب عليه تعلمه ولا يسأل عما يشكل عليه أو يلتبس عليه من أمر دينه بل كثير من الناس قد يفتي نفسه أو يسمع بعض المستهترين البطالين يقول: ?لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ? (11) فيأخذ بقوله ويترك البحث والسؤال. ولعمر الله إن هذا ممن لا قدر لدين عنده وليس هو من المتقين بل هو من المحرفين المتلاعبين بكلام الله تعالى وذلك أن هذه الآية التي جعلها مسوغاً لقعوده عن السؤال والتعلم المخاطب بها الصحابة رضي الله عنهم زمن نزول القرآن خشية أن يترتب على أسئلتهم تشديد في الشرع يحرج الأمة أما بعد انقطاع الوحي وذهاب المحذور فالواجب على كل من جهل مسألة من مسائل الدين أو أشكل عليه أمر في دينه أن يسأل أهل العلم قال الله تعالى: ?َاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ? (12)
ومن الأخطاء أن بعض الآباء والأمهات لا يعلمون أولادهم وجوب الصيام وبعض أحكامه فقد يبلغ الابن أو البنت ولا يؤمر بالصيام ويكثر هذا في البنات إذ أن البنت قد تبلغ بالحيض أو غيره فتستحي أن تخبر أهلها فتقع في أحد محظورين إما أن تفطر الشهر إن كانت معتادة الفطر قبل البلوغ بناء على أنها صغيرة وإما أن تصوم أيام الحيض إذا كانت اعتادت الصيام من الصغر بناء على أنها صغيرة وكلا هذين الفعلين خطأ وإثم فالواجب على الأم تعليم بناتها وعلى الأب تربية أولاده على الصيام منذ نعومة أظفارهم رزقنا الله وإياكم علماً نافعاً وعملاً صالحاً ودعوة مجابة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الخطبة الثانية
أما بعد. . .
فإن من الأخطاء الظاهرة المنتشرة بين كثير من الناس في شهر الصيام الإسراف في المأكولات والمشروبات والمطعومات فترى كثيراً من الناس يضع على موائد الإفطار والسحور ما يكفي الجماعة من الناس فيسرف في الأكل والشرب في إفطاره وسحوره وما بين ذلك حتى يشعر بالامتلاء والضيق بسبب ذلك ولهذا الفعل أضراراً كثيرة دينية ودنيوية وإليك بعض هذه الأضرار.
أولاً: أن هذا الإسراف نهى عند النبي صلى الله عليه وسلم فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة ) ) (13) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بسند جيد.
ثانياً: إن هذا الإسراف يناقض المقصود من الصيام إذ المقصود من الصيام أن يكسر الجوع والظمأ من حدتها فيتذكر حال الأكباد الجائعة من المساكين والمحاويج ويقصد منه أيضاً تضييق مجاري الشياطين من العبد وذلك بتضييق مجاري الطعام والشراب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم ) ) (14) متفق عليه.
ثالثاً: إن الإكثار من المطعومات يفوت على العبد خيرات كثيرة وذلك أنه (( ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه ) ) (15) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه بسند جيد فإن العبد إذا ملأ بطنه عند الإفطار ثقل عن العبادة وكسل عن الطاعة فيفوته عمل الليل ثم إذا جاء السحور أعاد الكرة وملأ جوفه بصنوف الأطعمة فيثقل عن عمل النهار وهكذا دواليك حتى تفوته نفحات هذا الشهر ومواسم الخير.
رابعاً: إن الإكثار من المطعومات فيه أيضاً إشغال للأهل وإرهاق لهم وتفويت لمواسم الخيرات عليهم حيث تذهب أكثر أوقاتهم في إعداد الإفطار والسحور وغيرهما.
خامساً: فيه أيضاً مخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم الذي كان يتقلل من الطعام ويقول: (( بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) ) (16) رواه الترمذي بسند حسن.