أما الصليبيون ممثلون بالعالم الغربي الكافر فهم ورثة الأحقاد والضغائن على الأمة فالصليبيون ضائقون بالإسلام منذ ظهوره وقد اشتبكوا مع المسلمين في حروب طويلة مضنية إلا أن التاريخ لم يشهد حدة في العداء وخبثاً في الأداء وإصراراً وتصميماً على تدمير الأمة وإفنائهما كما يجرى منهم اليوم فهاهم خبراؤهم وكبراؤهم وساستهم يتنادون لحرب الإسلام وما ذاك الذي يجري في بلاد البوسنة والهرسك وغيرها من بلاد الإسلام إلا ثمرة أعمالهم وجني أحقادهم وما هذه الهيمنة السياسية والتسلط الاقتصادي والاستكبار الحضاري على المسلمين إلا قليل من كثير وغيض من فيض وقد صدق القائل:
عاد الصليبيون ثانية وجالوا في البطاح
عاثوا فساداً في الديار كأنها كلأ مباح
أما اليهود فقد زرعوا دولتهم في قلب العالم الإسلامي وهم سماسرة الكيد والمكر والخبث وقد ضربوا أفضع الصور في تشريد المسلمين وإذلالهم والتسلط عليهم والتلاعب بهم وانتهاك مقدساتهم ولا عجب في ذلك فهم الذين قال الله عنهم ?لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا? (6) وهم الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ودبروا له المكائد ونقضوا العهود والمواثيق وهل ما يجري اليوم في فلسطين الغالية وفي غيرها من البلاد إلا من صنائعهم فعجباً لمن نسي الكتاب وركض وراء السراب بطلب الصلح أو السلم مع أرباب الغدر والمكر يهود:
لمثل هذا يذوب القلب من كمد أن كان في القلب أيمان وإسلام
أما المنافقون فهم اشد الأعداء خطراً وأعظمهم فتكاً لذا قال الله تعالى عنهم: ?هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ? (7) لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة لبسوا مسوح الضأن على قلوب الذئاب فالظواهر ظواهر الأنصار والبواطن قد تحيزت إلى الكفار دعاة على أبواب جهنم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، تلونت راياتهم وتشكلت شعاراتهم فتارة قوميون وتارة وطنيون وتارة علمانيون تعددت الأسماء والكفر واحد، عاثوا في الآمة فساداً ودماراً فهل التغريب الذي تعيشه الأمة إلا من صنعهم وهل تنحية الشريعة وتطبيق القوانين الوضعية إلا من أعمالهم؟ وهل محاربة الدين وأهله وعلمائه ودعاته ألا تجارتهم. فللّه كم من راية للدين قد نكسوها؟ وكم من شعيرة من شعائره قد عطلوها؟ وكم من عالم أو عامل أو داعية لله قد آذوه؟ فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبليه فإنا لله وإنا إليه راجعون.
أيها المؤمنون هؤلاء هم أعداء دينكم الظاهرون والمستترون سعو إليكم بالبوائق والأزمات وجرمكم الذي اقترفتموه أنكم رضيتم بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ?وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ? (8) .
الخطبة الثانية
أما بعد. .
أيها المؤمنون إن أمتكم مغزوةٌ من داخلها ومحاربة من خارجها أما غزوها من الداخل فذلك بالمنافقين المتربصين من العلمانيين و أشياعهم الذين أضعفوا إيمان الأمة بريها ودينها بشبهاتهم وشهواتهم و أما حربها من خارجها فبهذا التداعي العالمي لأمم الكفر من اليهود والنصارى والمشركين والملحدين على أمة الإسلام ولن تنجوا الأمة من هذين الشبحين إلا بإقبالها على ربها ورجوعها إلى دينها وإعلائها رايات الجهاد بأنواعها جهاد النفس وجهاد العُصاة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد المنافقين وجهاد الكفار فان ما أصاب الأمة وما أصابها إلا لما هجرت ظهور الخيل وأخذت بأذناب البقر ويدل لذلك ما رواه أبو داود وغيره بإسناد عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله علية وسلم (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ).
فعلينا أيها الأخوة الأخذ بأسباب النصر وسننه للخروج من ماسي اليوم وتحقيق أمال الغد فإن النصر لا ينزل اعتباطاً ولا يخبط خبط عشواء بل هو وفق سنن وقوانين مضبوطة كسير الشمس.
فمن هذه السنن أن تعلم أن النصر من عند الله تعالى كما اخبرنا مولانا حيث قال ?وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ? (9) فمهما طلبنا النصر من غيره أذلنا الله وخيب سعينا وما أحوجنا إلى أن نجأر إلى الله تعالى بما قاله الأول:
فيارب هل إلا بك النصر يرتجى عليهم وهل إلا عليك المعول
ومن أسباب النصر أن النصر لله تعالى بأقواله و أعماله وقلوبنا فان الله تعالى قال: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ? (10) ونصرنا لله تعالى يكون بتعظيم دينه وامتثال أمره و إعلاء كلمته وتحكيم شرعه والجهاد في سبيله قال الله تعالى في بيان المستحقين للنصر ?الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ? (11) .
ومن سنن النصر أنه آتٍ لا محالة للمؤمنين الصادقين وأن التمكين للإسلام متحقق رغم العوائق والعقبات فالدين دين الله والله ناصر دينه وأولياءه قال الله تعالى: ?إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ? (12) لكن هذا الوعد لا يعني أن لا يبتلى المؤمنون بالنكبات والأزمات ولا يعني أن لا تصاب الأمة بالمصائب والكوارث بل كل هذا لابد منه ليميز الله الخبيث من الطيب قال الله تعالى: ?أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ? (13) وقد يبتلي الله تعالى الآمة بتأخير النصر أو تمكين الأعداء بسبب الذنوب والمعاصي قال تعالى: ?أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ? (14) فإذا أصريت أنا وأنت على تقصيرنا وذنوبنا فهل نرجوا أن يصلح الله الأحوال ويرفع عنا هذا الذل والصغار والانكسار إن هذا لمن أمحل المحال قال الله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ? (15) فإن لم يكن منا نزوعٌ عن الذنوب وإقلاع عن المعاصي ونصرٌ للدين وأهله فان الله ينصر دينه بغيرنا قال تعالى: ?وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ? (16) .
أيها الأخوة المؤمنون اعلموا أن من أقل ما يجب علينا تجاه إخواننا أن نشعر بما يشعرون به من ألم وضيق فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( مثل المؤمنين في تواضعهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) )متفق عليه.