مدنية خائبة، عاجزة عن حماية أفرادها، لم تستطع يوماً ما صون أعراضهم، أوحفظ كرامتهم، أو كفكفة دموعهم، أو إسعادهم في حياتهم، ضيق وضنك ونصب، غم وكرب، وذلك جزاء المعرضين عن شريعة رب العالمين.
وسائل ترفيه لا حصر لها صنعت لتعالج أدواء القلق، وأخطار الأرق، فلم تستطع إلى ذلك سبيلاً، كَذالِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام:125] .
حضارة أنتجت واخترعت، فإذا هلاكها في ما صنعت، وإذا دمارها في ما أبدعت، تسابقت في اختراع وسائل تكدير وتعكير، وتسارعت في إيجاد وسائل إغواء وتدمير وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام:26] .
يقول جل في علاه: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالاْنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] . يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الْحياةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] .
تلك بعض خصائص مجتمعاتهم الكافرة، ومدنيتهم الفاجرة.
أيها المسلمون:
واليوم يزحف العالم الكافر بمدنيته وبليته إلى العالم الإسلامي في محاولة مستميتة لطمس معالم هويته الذاتية، وجره إلى تقليد الأنماط الغربية في جميع النواحي الحياتية، العقدية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها، يقول جل وعلا في كتابه المبين: وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء [النساء:89] . وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا [البقرة:109] . وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [آل عمران:69] . ويقول جل في علاه: إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوء وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:2] .
إنهم يودون ذلك، ويسعون إلى تحصيله وتحقيقه بكل ما يستطيعون، وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ [البقرة:217] . وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] .
يقول جل في علاه لنبيه ومصطفاه محمد: وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لآَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً [الإسراء:73] .
حقد دفين، وخوف رهيب، يملآن صدور أهل الكفر والعناد، ويدفعانهم إلى محاربة الإسلام، ومحاولة القضاء عليه وعلى أهله يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8] .
ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، يقول أحدهم: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيداً عن محمدٍ وكتابه.
هذا مكرهم، وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118] . وصدق الله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:122] . وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبّهِ ظَهِيراً [الفرقان:55] .
أيها المسلمون:
لقد جنّد أعداء الإسلام كل ما وصلوا إليه من اختراع واصطناع لحرب الإٍسلام وأهله، وغزو بلاد المسلمين عقدياً وفكرياً، ليحكموا القبضة عليها، ويستولوا على مقومات الحياة فيها، ولسان حالهم قول قائلهم: كأس وغانية تفعلان بالأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوها في حب المادة والشهوات.
حاصروا بلاد الإسلام بثورة إعلامية، وتقنية اتصال عالمية، وهاجموها بقنوات فضائية شهوانية شيطانية، سم زعاف يقضي على الكرامة والعفاف، وريح عاصف، ومكر قاصف، وهجمة شرسة مستعرة، تتعرض لها أجيالنا الحاضرة، تُفجّر غرائزهم، وتدمر أخلاقهم، وتشيع الرذيلة في صفوفهم، وتجعلهم هائمين على وجوههم، يبحثون عن سبيل مشروع أو غير مشروع لتصريف ما أثير من شهواتهم.
وأغرقت أسواق المسلمين بكثير من المحرمات والمنكرات، ولم تسلم المرأة المسلمة من تلك الهجمة الحاقدة، فحاربوا حجابها وجلبابها، وسعوا في إغوائها وإغرائها بما تصنعه دور الأزياء الخليعة وبيوتات الموضة المنحلّة، ودعوها إلى الاختلاط، وأخلطوها وأهانوها ودنسوها.
وجاءت الدعايات المضللة تدعو المسلمين إلى السياحة والترفيه في بلاد الكفر والفجور، بلاد خادعة للعقول، وغادرة للألباب، ليس فيها إلا مصائد هلاك، وفخوخ تلف، وحياة عابثة صاخبة.
دعايات آثمة ، تبذل التسليات والمغريات، وتدفع الغوغاء والدهماء إلى تلك البلاد دفعاً، وتؤزهم إليها أزاً.
وإن مما يذيب القلب كمداً أن يذهب بعض المسلمين إلى تلك البلاد بزوجاتهم وبناتهم وفلذات أكبادهم، ولا تسل عما يحدث بعد ذلك من الشرور وعظائم الأمور.
كل ذلك ليسايروا ركب الحضارة المشؤوم، ويسلكوا درب المدنية المزعوم، إنها فتن مغرقة، وآثام موبقة، لا عاصم منها إلا التمسك الصادق بكتاب الله وسنة رسوله .
أيها المسلمون:
كيف تسير الأمة المسلمة إلى غازيها طواعية، كيف تنقاد إلى جزارها راضية، كيف تقتدي بعدوها في سلوكها وأخلاقها، ومعايير فهمها وتفكيرها، كيف ترغب عن تعاليم الإسلام، وما جاء به سيد الأنام محمد ، وتركن إلى تقليد الكفرة الفجرة.
عباد الله:
إن موارد الخسار، ومشارع البوار، إنما هي في طاعة الكفار والفجار، يقول جل وعلا: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ آل عمران:149]. إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] .
أيها المسلمون:
إن الإسلام لم يمنع من أخذ المفيد من مخترعات هذه المدنية ومبتكراتها، وأبحاثها وتقنياتها، لكنه يرفضل أمراضها المُدنِفة، وأسقامها المتلفة، ودواهي كُنفها الشارعة، ومتاعبها السائلة، التي تنجس كل من برز إليها، وتدنس كل من عبر عليها.
أيها المسلمون:
ما فائدة حضارة ينحدر فيها مستوى الإنسان إلى العبودية لغير الله ليصبح عبد ديناره ودرهمه، عبد شهوته ومادته ورغبته، ويسقط في التعاسة والانتكاسة كما تعست وانتكست البشرية التي تسيطر عليها هذه المدنية المعاصرة، يقول رسول الهدى: (( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ) ) [أخرجه البخاري: 2887] .
إن من المؤسف حقاً أن يقف بعض من هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا سماسرة للغرب، يتشدقون بتضخيمه وتعظيمه، ويدعون بكل صفاقة إلى تقليده واحتذاء أساليبه، معاول هدم وتخريب، ودعاة ضلال وتغريب، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.
يدعون إلى ذلك وكأنهم لم يعلموا عن تلك الصيحات والنداءات التي توالت وتعالت عن عقلاء الغرب أنفسهم تنذر بأخطاء هذه المدنية التي تعيش بلا روح، وتدعو إلى الإنقاذ والإصلاح قبل فوات الإبان والإمكان، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَاكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12] .
أيها المسلمون: