والتزكية تعني تطهير النفس من الأدران والنقائص وتعني أيضا تنمية الخير فيها وزيادته ، وحقيقة التزكية هي الإستجابة الكاملة لأمر الله ورسوله والتخلص من اتباع الشيطان وهوى النفس ، وكلما تخلص العبد من رق الشيطان والنفس كان أزكى نفسا وأنقى دينا وأطوع لربه. وتزكية النفس تكون بالتخلص من الأمور الآتية:
1-الشرك الأكبر والأصغر الجلي والخفي منه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم ) رواه احمد
2-البدع القولية والفعلية والإعتقادية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه.
3-المعاصي الظاهرة الكبائر منها والصغائر ، قال الله تعالى ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ) رواه أحمد.
4-خطايا القلوب وأمراضها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) متفق عليه.
5-مساوئ الأخلاق ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من مساوئ الأخلاق.
والمسلم في هذا الزمن الذي يعج بالفتن وكثرة الشبهات والشهوات مفتقر إلى تزكية نفسه والمداومة عليها لا سيما إذا كان يقيم في بلد تشيع فيه المنكرات وتستباح فيه المحرمات ويغلب على الحياة البعد عن منهج الإسلام وتعاليمه ، ولا يستطيع المحافظة على دينه والثبات عليه إلا بتخصيص وقت يخلو فيه بربه ويناجيه ويتفقد قلبه ويرفع مستوى إيمانه ، ويحرص على مرافقة الصالحين وأهل العلم والفضل وغير ذلك مما يجلي بصيرته ويؤنس وحشته ويثبته على الحق. ووسائل تزكية النفس:
1-العلم قال الله تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } ، وقال عمر رضي الله عنه قال:"أن الرجل ليخرج من منزلة وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة ، فإذا سمع العلم خاف ورجع وتاب فانصرف إلى منزله وليس عليه ذنب فلا تفارقوا مجالس العلماء".
2-الدعاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها ) رواه مسلم.
3-تلاوة القرآن بتدبر وتفكر وخشوع فإنه يزكي النفس ويطهرها من كل دنس.
4-الإكثار من النوافل والطاعات لا سيما قيام الليل.
5-تذكر الموت والتفكر في المآل.
6-قراءة سير الصالحين والتأمل في أحوال النساك والزهاد.
7-محاسبة النفس ومراقبتها.
8-البذل والإنفاق في سبيل الله .
9-التوبة والإكثار من ذكر الله.
10-الزهد في الدنيا والتقلل منها.
وتزكية النفس وتطهيرها من الأدناس والأخلاق الرذيلة يحتاج إلى جهد ومصابرة من المسلم ، ولا يؤتيها الله إلا لمن بذل وسعه في سبيل الحصول عليها قال تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } ، والله هو الذي يزكي النفس حقيقة والعبد آخذ بأسباب التزكية فمن جاهد نفسه فقد زكاها بهذا الإعتبار . أما مدح المرء نفسه وتزكيتها بالقول فقد نهى الله عز وجل عنه بقوله سبحانه { فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } ، وقال عمر رضي الله عنه"إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه فمن قال إنه مؤمن فهو كافر ومن قال إنه عالم فهو جاهل ومن قال إنه في الجنة فهو في النار"، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك حين سمع رجلا يثني على رجل فقال ويحك قطعت عنق صاحبك ثم قال إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسبه كذا ولا يزكي على الله أحد ) متفق عليه ، وقد ذم الله اليهود حين زكوا أنفسهم فقال سبحانه {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإنكار على المداحين بطريقة مؤثرة فقال ( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ) رواه مسلم. وقد توسع بعض الشعراء وغيرهم في المدح والثناء على الوجهاء في حضرتهم وهذا خلاف السنة ومدعاة للعجب والغرور للممدوح وباب من الشيطان والمشروع الإقتصاد في ذلك ، أما المدح والثناء على الغائب فجائز إن كان مطابقا للواقع ولا مفسدة فيه. وقد رخص أهل العلم للمرء أن يمدح نفسه بما يعرف منها إذا دعت الحاجة وكانت المصلحة راجحة كأهليته لمنصب ديني فيه مصلحة للمسلمين كما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى على لسان يوسف {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } .
عبد الله بن محمد البصري
القويعية
جامع الرويضة الجنوبي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-أهمية تزكية النفس. 2- أسباب تدسية النفس. 3- أثر التوحيد في تزكية النفس. 4- الحث على المجاهدة في تزكية النفس.
الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، تمسكوا بها وحققوها، وتخففوا من الدنيا وطلقوها، وزكوا أنفسكم وتخلّصوا من الهوى، واعملوا صالحًا تقدمون به على الله، واحذروا من القدوم عليه وأنتم بلا زاد، أو وأنتم قد تحمّلتم ما يوردكم المهالك، فإِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه:74 76] .
أيها المسلمون، إن الله سبحانه قد جعل هذا الدين القويم ضياء ونورًا لعباده، يخرجهم به من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257] . شرع الله هذا الدين ليزكي به النفوس، ويطهرها من أوضار الشرك وأدناس الجاهلية، ولينقيها من أمراض الشبهات وأدواء الشهوات. ولا شك أن فلاح الإنسان وسعادته في الدنيا والأخرى وفوزه ونجاته في حياته وبعد مماته، لا شك أنه مرهون بتزكيته نفسه وتطهيره إياها من كل ما يدنسها ويدسّيها، قال سبحانه: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:7-10] ، قال قتادة وابن عيينة وغيرهما:"قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال"، وقال ابن قتيبة في معنى دَسَّاهَا:"أي: أخفاها بالفجور والمعصية".