إن السمة الأولى المميزة لطبيعة ( المجتمع المسلم ) هي أن هذا المجتمع يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في أمره كله .. هذه العبودية التي تمثلها وتكيفها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله .
وتتمثل هذه العبودية في التصور الاعتقادي ، كما تتمثل في الشعائر التعبدية ، كما تتمثل في الشرائع القانونية سواء .
فليس عبداً لله وحده من لا يعتقد بوحدانية الله سبحانه:
{ وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ، وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ } ... [ النحل: 51 - 52 ]
ليس عبداً لله وحده من يتقدم بالشعائر التعبدية لأحد غير الله - معه أو من دونه:
{ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [ الأنعام: 162 - 163 ]
وليس عبداً لله وحده من يتلقى الشرائع القانونية من أحد سوى الله ، عن الطريق الذي بَلَّغَنَا الله به ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } [ الشورى: 21 ]
{ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [ الحشر: 7 ]
هذا هو المجتمع المسلم . المجتمع الذي تتمثل العبودية لله وحده في معتقدات أفراده وتصوراتهم ، كما تتمثل في شعائرهم وعبادتهم ، كما تتمثل في نظامهم الجماعي وتشريعاتهم .. وأيما جانب من هذه الجوانب تخلف عن الوجود فقد تخلف الإسلام نفسه عن الوجود . لتخلف ركنه الأول ، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .
ولقد قلنا: إن العبودية لله تتمثل في"التصور الاعتقادي".. فيحسن أن نقول ما هو التصور الاعتقادي الإسلامي .. إنه التصور الذي ينشأ في الإدراك البشري من تلقيه لحقائق العقيدة من مصدرها الرباني ، والذي يتكيف به الإنسان في إدراكه لحقيقة ربه ، ولحقيقة الكون الذي يعيش فيه - غيبه وشهوده - ولحقيقة الحياة التي ينتسب إليها - غيبها وشهودها - ولحقيقة نفسه .. أي لحقيقة الإنسان ذاته .. ثم يكيف على أساسه تعامله مع هذه الحقائق جميعاً ، تعامله مع ربه تعاملاً تتمثل فيه عبوديته لله وحده ، وتعامله مع الكون ونواميسه ومع الأحياء وعوالمها ، ومع أفراد النوع البشري وتشكيلاته تعاملاً يستمد أصوله من دين الله - كما بَلَّغَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم - تحقيقاً لعبوديته لله وحده في هذا التعامل .. وهو بهذه الصورة يشمل نشاط الحياة كله .
فإذا تقرر أن هذا هو"المجتمع المسلم"، فكيف ينشأ هذا المجتمع ؟ ما منهج هذه النشأة ؟
إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده ، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله .. لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور ، ولا تدين لغير الله في العبادات والشعائر .. ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع .. ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة .. تنقي ضمائرها من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله - معه أو من دونه - وتنقي شعائرها من التوجه بها لأحد غير الله - معه أو دونه - وتنقي شرائعها من التلقي عن أحد غير الله - معه أو من دونه .
عندئذ - وعندئذ فقط - تكون هذه الجماعة مسلمة ، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلماً كذلك .. فأما قبل أن يقرر ناس من الناس إخلاص عبوديتهم لله - على النحو الذي تقدم - فإنهم لا يكونون مسلمين .. وأما قبل أن ينظموا حياتهم على هذا الأساس فلا يكون مجتمعهم مسلماً .. ذلك أن القاعدة الأولى التي يقوم عليها الإسلام ، والتي يقوم عليها المجتمع المسلم - هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله - لم تقم بشطريها ..
وإذن فإنه قبل التفكير في إقامة نظام مجتمع إسلامي ، وإقامة مجتمع مسلم على أساس هذا النظام .. ينبغي أن يتجه الاهتمام أولاً إلى تخليص ضمائر الأفراد من العبودية لغير الله - في أي صورة من صورها التي أسلفنا - وأن يتجمع الأفراد الذين تخلص ضمائرهم من العبودية لغير الله في جماعة مسلمة .. وهذه الجماعة التي خلصت ضمائر أفرادها من العبودية لغير الله ، اعتقاداً وعبادة وشريعة ، هي التي ينشأ منها المجتمع المسلم ، وينظم إليها من يريد أن يعيش في هذا المجتمع بعقيدته وعبادته وشريعته التي تتمثل فيها العبودية لله وحده .. أو بتعبير آخر تتمثل فيها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله .
هكذا كانت نشأة الجماعة المسلمة الأولى التي أقامت المجتمع المسلم الأول .. وهكذا تكون نشأة كل جماعة مسلمة ، وهكذا يقوم كل مجتمع مسلم .
إن المجتمع المسلم إنما ينشأ من انتقال أفراد ومجموعات من الناس من العبودية لغير الله - معه أو من دونه - إلى العبودية لله وحده بلا شريك ، ثم من تقرير هذه المجموعات أن تقيم نظام حياتها على أساس هذه العبودية .. وعندئذ يتم ميلاد جديد لمجتمع جديد ، مشتق من المجتمع الجاهلي القديم ، ومواجه له بعقيدة جديدة ، ونظام للحياة جديد ، يقوم على أساس هذه العقيدة ، وتتمثل فيه قاعدة الإسلام الأولى بشطريه .. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ..
وقد ينضم المجتمع الجاهلي القديم بكامله إلى المجتمع الإسلامي الجديد وقد لا ينضم ، كما أنه قد يهادن المجتمع المسلم الجديد أو يحاربه ، وإن كانت السنة قد جرت بأن يشن المجتمع الجاهلي حرباً لا هوادة فيها ، سواء على طلائع هذا المجتمع في مرحلة نشوئه - وهو أفراد أو مجموعات - أو على هذا المجتمع نفسه بعد قيامه فعلاً - وهو ما حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية منذ نوح عليه السلام ، إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، بغير استثناء .
وطبيعي أن المجتمع المسلم الجديد لا ينشأ ، ولا يتقرر وجوده إلا إذا بلغ درجة من القوة يواجه بها ضغط المجتمع الجاهلي القديم ، قوة الاعتقاد والتصور ، وقوة الخلق والبناء النفسي ، وقوة التنظيم والبناء الجماعي ، وسائر أنواع القوة التي يواجه بها ضغط المجتمع الجاهلي ويتغلب عليه ، أو على الأقل يصمد له !
ولكن ما هو"المجتمع الجاهلي"؟ وما هو منهج الإسلام في مواجهته ؟
إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم ! وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده .. متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي ، وفي الشعائر التعبدية ، وفي الشرائع القانونية ..
وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار"المجتمع الجاهلي"جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلاً !!
تدخل فيه المجتمعات الشيوعية .. أولاً: بإلحادها في الله - سبحانه - وبإنكار وجوده أصلاً ، ورجع الفاعلية في هذا الوجود إلى"المادة"أو"الطبيعة"، ورجع الفاعلية في حياة الإنسان وتاريخه إلى"الاقتصاد"أو"أدوات الإنتاج"، ثانياً": بإقامة نظام العبودية فيه للحزب - على فرض أن القيادة الجماعية في هذا النظام حقيقة واقعة ! - لا لله سبحانه ! ثم ما يترتب على ذلك التصور وهذا النظام من إهدار لخصائص"الإنسان"وذلك باعتبار أن"المطالب الأساسية"له هي فقط مطالب الحيوان ، وهي: الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس ! وحرمانه من حاجات روحه"الإنساني"المتميز عن الحيوان ، وفي أولها: العقيدة في الله ، وحرية اختيارها ، وحرية التعبير عنها ، وكذلك حرية التعبير عن"فرديته"وهي من أخص خصائص"إنسانيته". هذه الفردية التي تتجلى في الملكية الفردية ، وفي اختيار نوع العمل والتخصص ، وفي التعبير الفني عن"الذات"إلى آخر ما يميز"الإنسان"عن"الحيوان"أو عن"الآلة"إذ أن التصور الشيوعي والنظام الشيوعي سواء ، كثيراً ما يهبط بالإنسان عن مرتبة الحيوان إلى مرتبة الآلة ! ( المعالم ) "
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد؛
شكر الله لكم، وجزاكم خيرًا على حبِّكم لإسلامكم وحرصكم عليه.
سأبدأ أوَّلاً بتبسيط معنى"لا إله إلا الله منهج حياة"، ثمَّ معنى"الدعوة إلى الله منهج حياة".
إنَّ معنى"إلا إله إلا الله منهج حياة"ببساطةٍ أنَّني لا أتَّبع نظامًا في حياتي إلا نظام الله -وهو الإسلام- لأنَّه أفضل وأكمل وأعدل نظام، وذلك لأنَّه من عند الله الكامل العادل المنزَّه عن الأخطاء والأهواء، ولذا فنظامه كاملٌ ينظِّم كلَّ شئون الحياة صغيرها وكبيرها كما يقول تعالى: (ما فرَّطنا في الكتاب من شيء) .
أمَّا لو اتَّبعتُ أيَّ نظامٍ آخر فسأكون معرَّضًا للتجربة والخطأ، كما يقول تعالى: (قل هل ننبِّئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنَّهم يُحسنون صُنعًا) ، وذلك لأنَّ واضعوا هذا النظام هم من البشر المعرَّضين للأخطاء، أو لمحاباة طوائف على أخرى، أو قصرت عقولهم عن الإلمام بكلِّ متغيِّرات الحياة وكلِّ طبائع النفوس، أمَّا الله عزَّ وجلَّ فهو الذي خلقها، وهو الذي يعلم تفاصيلها وأسرارها، ويعلم ما يُصلحها ويُسعدها، فوضع لها القواعد العامَّة لتسير على نهجها، وترك لها وضع التفاصيل بما يناسب حالها وبيئتها كما يُفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) رواه مسلم.
فأنا حين أقول:"لا إله إلا الله"أُطيع الله وأتَّبع تعليماته منذ أن أستيقظ وحتى أنام، بل منذ ولادتي وإدراكي وحتى مماتي، وحتى حين أدخل الحمام أنظر إلى تعاليم الإسلام في النظافة وأتَّبعها، وحين أتناول الطعام أو أشرب أو أنام أتَّبع تعاليمه، وحين أتعامل مع والديَّ أو إخوتي أو زوجتي أو أبنائي أو جيراني أو أقاربي أو زملائي أُعاملهم بالإحسان الذي أمر به في قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنُب والصاحب بالجنب وابن السبيل..) ، وحين أذاكر وأتعلَّم أضع أمامي اهتمامه بالعلم في قوله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) ، وحين أعمل أُحسن وأُتقن في عملي مصدقًا لقوله تعالى: (إنَّ الله يحبُّ المحسنين) ، وحين أتاجر أكون صادقًا أمينًا كما يقول صلى الله عليه وسلم: (التاجر الصدوق الأمين مع النَّبيِّين والصدِّيقين والشهداء يوم القيامة) رواه الترمذي بسندٍ حسن.
ثمَّ ها أنا أشحن قلبي بالصلاة -وغيرها من العبادات- لتُعينني على حسن معاملة الآخرين، (إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) ، وأقوِّي إرادتي بالصيام، (يا أيُّها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتَّقون) .
إذن فمنهجي وأسلوبي في الحياة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكلمة"لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله"، وبذلك تصبح هذه الكلمة هي منهج حياةٍ، من التزم بها كانت حياته كلّها لله كما يقول سبحانه: (قل إنَّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين) ، وسعد في الدنيا والآخرة كما يقول تعالى: (من عمل صالحًا من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينَّه حياةً طيِّبةً ولنجزينَّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) .
أخي الكريم؛
إنَّ الدعوة إلى الله وإلى الإسلام قد تكون هي الأخرى منهج حياة، ولكن بطريقٍ غير مباشر، لأنَّه بدونها لن تكون"لا إله إلا الله"منهج حياة، إنَّ معنى"لا إله إلا الله"لا يُعرف ولا ينتشر ولا يُعمل به إلا من خلال الدعوة، فالملائكة الذين نزلوا بها من عند الله تعالى علَّموها للرسل، والرسل دعوا من حولهم إليها، ثمَّ دعا أتباع الرسل من بعدهم إليها، ثمَّ قام الدعاة الذين تعلَّموها ممَّن قبلهم بدعوة غيرهم إليها، وهكذا حتى انتشرت.
إذن فلولا الدعوة إلى الله ما كانت"لا إله إلا الله"، أي أنَّه يمكن القول بحقٍ إنَّ:"الدعوة منهج حياة".