لقد أسلم ذلك الجيل، واستسلم وانقاد لحكم الله بلا خيار: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) . وبلا تنطع في البحث عن الحكمة والعلة؛ لأن ذلك ينافي التسليم والانقياد: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) . وبلا حرج في النفس عند تطبيق النص الشرعي، يقول تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) .
ولئن أخذنا نحن يميناً أو شمالاً لقد ضللنا ضلالاً بعيداً.
لم يكن هذا التسليم والانقياد مقصوراً على الرجال فحسب، بل كان للنساء فيه حظ وافر، وضربن بهذا أروع الأمثلة في الانقياد والاستسلام والثبات دون اكتراث لما يحدث في واقعهن، وهذا يتجلى حينما يختلط الرجال والنساء في الطرق عند الخروج من المسجد، فيقول صلى الله عليه وسلم كما ثبت في سنن أبي داوُد:"استأخرن؛ عليكن بحافَات الطريق". فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من شدة لصوقها به.
ثانياً: العلم الشرعي:
العلم، العلم. وأخص به العلوم الشرعية، ومن أهمها علمُ التوحيد الذي من أجله بعث الله الرسل إلى الناس قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) .
إنك لو تأملت حال الغزو الذي تُحاك خططه بالليل والنهار من الأعداء في الداخل والخارج لوجدتَ مدارَه على أمرٍ واحد، وكله يدور في فلك الإطاحة بالثوابت، التي هي سر البقاء، عن عمر رضي الله عنه أنه قال"إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله هذا". رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين.
نعم، هذا هو السر!. فكلما كان الناس إلى الله أقرب كانوا على أعدائهم أظهر وأغلب.
ولنتأمل في حال السهام الموجهةِ إلى صدورنا ومنابع عزتنا:
سهم موجهٌ إلى حلقات التحفيظ، أي (القرآن) الذي رفعنا الله به.
وسهمٌ يستهدف العقيدة الصافية.
وسهم يروم ذروة سنام الإسلام، وهو الجهاد في سبيل الله.
وسهمٌ مصوّب نحو الولاء والبراء، تلك المنزلة التي ضرب فيها الأنبياء والصحابة والسلف الصالح أروع الأمثلة، وقد خلّد القرآن شيئاً من ذكرهم لنسير على خطاهم، صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين ورضي الله عنهم.
وسهم آخر يتجه صوب المرأة، والتي يصلح المجتمع بصلاحها، فهي كالقلب للجسد، فكما أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، فإن منزلة المرأة في مجتمعها يتوقع منه هذه النتيجة: فإذا صلحت صلح المجتمع كله، وإذا فسدت فسد المجتمع كله، وهذا بالأخص في شأن الأم.
إن الحوارات المؤتمرات والمنتديات التي نرى العدو يسعى حثيثاً لإقامتها هنا وهناك باسم الثقافة والفكر والتواصل بين الحضارات ليست إلا فكرية الاسم عقدية المحتوى في غالبها.
و من هنا تأتي أهمية دراسة كتب العقيدة على منهج السلف الصالح رحمهم الله.
واليوم هاهم دعاة هذا المنهج المنحرف يحذرون العالم من الفِرقة والطائفة المارقة في نظرهم وهي الوهابية كما يسمونها، حيث ألصقوا بدعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب التهم والأباطيل والافتراءات والأقاويل، لأنهم يعلمون أن العقيدة الصافية الناصعة تشكل خطراً عليهم.
وخلاصة القول: إنّ العلم الشرعي هو السلاح، فلنتسلّح به لكي لا ننخدع بمقوله كل فاجر مارق.
روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان". [رواه أحمد في مسنده وابن حبان] .
ثالثا: الدعوة إلى الله:
والله ما كان الغرب أو الشرق ليثور على البلدان الاسلامية لولا انتشار هذا النور المبين والسراج الوهاج - وهي الدعوة السلفية - في العالم.
فحينما أصبح الإسلام يشكل خطراً عليهم، تعالت صيحات الحاقدين منهم على الإسلام، وتنادوا بوقف المد الإسلامي الذي بدأ ينتزع منهم هيبتهم: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) .
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره:"والمقصود من أهل الكتب والعلم تمييز الحق من الباطل، وإظهار الحق ليهتدي بذلك المهتدون، ويرجع الضالون، وتقوم الحجة على المعاندين، لأن الله فصّل آياته، وأوضح بيناته، ليميز الحق من الباطل، ولتستبين سبيل المهتدين من سبيل المجرمين، فمن عمل بهذا من أهل العلم فهو من خلفاء الرسل وهداة الأمم". أ.هـ
إذاً فكلٌ بحسب ما حباه الله من إمكانات، وما آتاه من قدرات، ولا عذر لنا في التقاعس عن نصرة دين الله تعالى والدعوة إليه، وأمم الأرض تنتظر منا إيصال الرسالة الربانية، ونشر هذا الخير العميم والكنز العظيم، والدلالة على الصراط المستقيم.
رابعاً: اليقين بالحق:
يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:"لا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها كما قال تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) ".
قال بعض المفسرين:"هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة".
فلا يضق صدرك بما ترى وتسمع ولا تأبه كثيراً بما يقوله المرجفون المنافقون لأن الله تعالى يقول: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) .
ولا شك في أن وعد الله بالنصر واقع قاطع جازم: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) . وكلمة الله قائمة سابقة (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ) . وهذه حقيقة ثابتة، فلله الحمد.
خامساً: صفاء مصدر التلقي لدى المسلم:
إن على المسلم أن يتلقى من الدستور الذي ارتضاه الله له، وهو أكمل دستور وأصفى منبع وأعذب منهل قال تعالى: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) .
وهذا هو الثبات الحقيقي وهو الانتصار الذي هو مطلب كل إنسان، فحقيقة الانتصار أن تموت وأنت على مبادئك دون مساومة، ودون تنازل أو تراجع عن الحق.
ثبت عند البخاري من حديث عبدِ الله بن سَلامٍ قال:"رأيتُ كأني في روضةٍ، ووسَط الروضةِ عمودٌ، في أعلى العمود عروةٌ، فقيل لي: ارقهْ، قلت لا أستطيع، فأَتاني وصيفٌ فرفعَ ثيابي فرقيتُ، فاستمسكتُ بالعروة، فانتبهتُ وأنا مستمسكٌ بها. فقَصَصْتها على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمودُ عمودُ الإسلام، وتلك العروةُ العروةُ الوُثْقى لا تزال مستمسكاً بالإسلام حتى تموت".
اللهم ثبتنا على الحق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.
لقد حرصت الشريعة كل الحرص أن تُبعد أبناءها عمّا يزعزع هذا المبدأ، ويهز تلك الحقيقة، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت في أصحابه هذا الأمر حتى بعد إيمانهم بسنوات، تأكيداً منه صلى الله عليه وسلم على ضرورة استصحابه، بل كان يأطرهم عليه، ويحذرهم من مصادر التلقي الأخرى.