ومنها حُبُّ الشَّهَواتِ (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: 28) .
(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ( القصص: 50) .
ومنها شدةُ الغَفلةِ ، ومنها هوانُ القَبائحِ عليهِ ، والرَّغْبَةُ في المَعَاصِيْ ، ومنها عدمُ إنكارِ المُنْكَرِ ، فانْ كانَ القَلبُ لا يَعْرِفُ مَعروفاً ، ولا يُنكِرُ مُنْكَراً ، نَكَسَ فَجَعَلَ أعلاهُ أسفَلَهُ .
ومنها انحباسُ الطبع ، وضيقُ الصدرِ ، والشُّعورُ بالقَلقِ ، والضيقُ بالناسِ قال تعالى: ( وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) ( الأنعام: 125) .
ومنها عدمُ التأثرِ بآياتِ القُرآن ، ومنها عدمُ التأثرِ بالمَوعِظَةِ ، عامةً وبالموتِ ، ولا رؤيةِ الأمْوَاتِ خَاصَّةً .
ومنها تكاسلٌ عنْ أعمالِ الخَيرِ: ( وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ) ( التوبة: 54) .
ولله دَرُّ العَلامَةِ الشيخِ مُحمد بن عَتِيقِ ، حينما قال قصيدةً لَهُ بِهذا الشأنِ: هذهِ بعضٌ منْ أبْيَاتِهَا:
فيا أيُّها البَاغِي استنارةَ قلبِه ... تَدَبَّرْ كِلَا الوَحْيَيْنِ وانقدْ وسَلِما
وعينُ امتراضِ القَلبِ فقدُ الذِي لَهُ ... أرِيْدَ مِنَ الإخْلَاصِ والجِدِ فاعْلَما
ومُوثِرُ مَحْبُوبٍ سِوَى اللهِ قَلبُهُ ... مَرِيضٌ على جُرُفٍ مِنَ المَوتِ والعِمَىْ
فجامعُ أمراضِ القلوبِ اتباعُها ... هَواهَا فَخَالِفْهَا تَصح وتَسْلَما
أمْرَاضُ القُلوبِ على نَوعَينِ:
1)أمراضٌ شُبهةٌ:
وهذا أشدُّ أنواعِ المَرَضِ ، وما ذاك ألا لكَثْرَةِ الشُّبهاتِ في عَصرِنَا الحَاضِرِ ، مابينَ تَياراتِ فِكْرِيَةٍ ضَآلةٍ ، صارَتْ تُشغِلُ النَّاسَ مِنْ عِلْمانِيَةٍ ، وقَوْمِيَةٍ ، واشتراكيةٍ وشُيوعِيَةٍ ، ومَمارساتٍ إعْلامِيَةٍ على مُستوى العالمِ الإسلامِيِّ اليومَ ، تَبُثُ الشُبَهَ وتُشَكِكُ بالثوابتِ ، فالمسلمُ اليومَ كالقَابِضِ على الجَمْرَةِ ، من كثرةِ المُعارضين ، وكثرةِ الفِتَنِ المُضِلَةِ ، فتنُ الشُبهاتِ ، والشُكُوكِ والإلحادِ ، وفِتنُ الشَّهَواتِ ، حيث يَتَرَتَبُ على كثيرٍ مِنْ هذه الفتنِ اعتقادُ غيرِ الحَقِّ المُفْضِيْ إلى مَرَضِ القَلْبِ ، بل موتِه أحياناً كثيرةً عياذاً باللهِ .
علاماتُ مرضِ القلبِ بالشُّبهةِ:
ذَكرَ العُلماءُ جُمْلةً مِنَ العَلامَاتِ تَدُلُّ دلالةً واضحةً على مَرَضِ القَلْبِ بالشُّبُهَاتِ ، ويَنْبَغِيْ لِمَنْ وجدَ في نفسِه أيَّ علامةٍ منْها أنْ يُسارِعَ إلى مُعَالَجَةِ قَلْبِهِ .
ومنْ أبرزِ تلك العَلاماتِ وأظهرِها: اتباعُ المُتشابَهِ مِنَ القُرآن ، وإظهارُ الإيمانِ باللسانِ دونَ مُواطئةِ القلبِ ، والتَّمَرُدُ على حُكْمِ اللهِ ورسولِهِ ، والمسارعةُ في مُوالاة الكافرين ، والرغبةُ في المَعْصِيَةِ والتَقاعُسُ عن الجِهادِ .
2 -أمرضُ الشَّهَواتِ:
الشهواتُ بابٌ واسعٌ ، يدخلُ تحتَهُ كُلُّ مُشْتَهَى ، ومِنَ المُشْتَهياتِ مُبَاحٌ ، ومنها ما هو مُحَرَمٌ ، ومُفسداتُ القُلوبِ ، هي الشَّهَواتُ المُحَرَّمَةُ ، ومنها تَتَولَدُ أمراضُ القُلوبِ ، كالشُّحِّ ، والبُخْلِ ، والحَسَدِ ، والغِلِّ ، والحِقْدِ ، والجَهْلِ ، والغَيِّ ، والغَمِّ ، والهَمِّ ، والحَزَنِ ، والغَيظِ ، والكِبْرِ ، والعُجْبِ ، والظُلْمِ ، وغَيرِهَا مِنَ الأمْرَاضِ ، التي لا تُدخِلُ تحتَ حَصْرٍ أعاذَنا اللهُ مِنْها .. ولكنْ يَجمعُهَا اتباعُ الهَوَىْ بغَيْرِ هُدَىْ مِنَ اللهِ ، وفي ذلك يقولُ اللهُ جلَّ جَلالُه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) ( الجاثية: 23) .
علاجُ القُلوبِ .
إذا أردتَ - يا عبدَ اللهِ - شفاءَ قلبِكِ ، وعَافِيَتَكَ ، فعليكَ بصدقِ اللجُوءِ إلى اللهِ ، والإكثارِ مِنَ النَّوافِلِ ، وبسحّ الدُموعِ ، والصَّلاةِ بالليلِ والناسُ هجوعُ ، ودواءُ قلبِكَ أيضاً بِملازمةِ الأذكارِ ، وصُحبةِ الأخيارِ ، فإنّهم خيرُ مُعينِ بعد الله على شفاءِ القلبِ السقيمِ ، وسلوكُ الصِّراطِ المُستقيمِ قال تعالى: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) (الكهف: 28) .
يقولُ ابنُ القيم - رحمه الله تعالى-: ومن أسبابِ حياةِ القلُوبِ الإقبالُ على اللهِ ، وتَعظِيمْهِ ، وتَدَبُّرُ الوحيِ بشقيه القرآنِ والسُنَّةِ ، والشوقُ إلى اللهِ والإنابةِ إليهِ ، والندمُ على المعاصي ، والحذرُ من الوقوعِ فيها ، ومخالفةُ هَوى النَّفْسِ ، والاستعدادُ للآخرةِ ، وصُحْبَةُ الصَّالِحِينَ .
ومن أسبابِ موتِ القُلوبِ الغَفلةُ عَنِ اللهِ ، وإيْثَارُ مَحبوبِ سِوَىْ اللهِ وتركُ اغتذاءٍ بنافعٍ ، وتركُ الدواءِ الشَّافِيْ ( الوحيُ ، وذكرُ الله ) وكثرةُ الضِّحكِ ، وأما حقيقةُ مرضِ القُلوبِ ، فهي فُقدانُ الإخْلاصِ لله ، والحُبِّ لَهُ ، وجامعُ أمراضِ القُلوبِ اتباعُ الهَوَىْ ، نسألُ اللهَ أنْ يُحيَ قلوبَنَا بنُورِ مَعرفتِهِ ، وذكرِه ، وشكرِه، فحياةُ القَلبِ وإشراقُه مادةُ كُلِّ خَيْرٍ ، وموتُهُ وظُلْمُتُهُ مادةُ كُلِّ شَرٍّ ا.هـ
واحِرسْ قَلْبَكَ ـ أخي المسلم ـ أنْ يَتسلَّلَ إليه الشيطانُ بشُبهَةٍ خبيثةٍ ، أو شَهوةٍ مُحَرَّمَةٍ ، أو آفةٍ مُفسدَةٍ ، أحذرْ الغَفلةَ والغافلين .
قال الله تعالى: ( وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: 28) .
وسُئل بعضُ العلماءِ عن عِشقِ الصُورِ فقال: ( قلوبٌ غَفلت عن ذكرِ اللهِ فابتلاها اللهُ بعُبُودِيَةِ غَيرِه ) فالقلبُ الغافلُ مأوى الشَّيطانِ ، يقولُ الحسنُ - رحمه الله -: ( المؤمنُ قوَّامٌ على نفسِه، يُحاسِبُ نَفسَهُ لله ، وإنَّما خَفَّ الحِسَابُ يَومَ القيامةِ على أقوامٍ ، حاسبوا أنفسَهم في الدنيا ، وشَقَّ الحِسَابُ على أقوامٍ يومَ القيامةِ ، أخذوا هذا الأمرَ على غَيرِ مُحَاسَبَةٍ ، فحاسبوا أنفسَكم رحمَكم اللهُ وفَتِشُّوا في قلوبِكم ) .
الاهتمامُ بأعمالِ القُلوبِ:
كثيرٌ مِنَ النَّاسِ يَهتمُّ بالأعمالِ الظاهرةِ ، وهذا أمرٌ حسنٌ ، ومطلوبٌ ، ولكن هؤلاءِ يَغفلُونَ عن أصلِ هذهِ الأعمالِ ، ومادتِهَا ، وهي الأعمالُ القلبيةُ ، فهذه الأعمالُ هي الأصلُ وهي الأهَمُّ ( إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إلى أعمالِكُمْ ، ولا إلى صُوَرِكُمْ ، ولكنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم ، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغَةٌ ، إذا صَلُحَتْ صَلُحَ الجسدُ كُلُّهُ ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلبُ ) .