ونحن في وسط ذلك كله نتزمّل بثياب النعم، والأمن والاستقرار والدعة، مما أدى بالبعض إلى الترف المعيشي، والفراغ الروحي، والمجاهرة بالمنكرات، والسعي المقيت وراء الجمع المادي، والإشباع الشهواني، دون قيد ولا شرط.
وهذا بلا شك من أسباب نزول البلاء كما في الحديث، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا ضنّ الناس بالدنيا والدرهم وتبايعوا بالعينة وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء لا يرفعه حتى يراجعوا دينهم". [رواه أبو داود بإسناد حسن] .
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده، فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟! قال: بلى. قلت: فكيف يُصنع بأولئك؟! قال: يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان".
ومن هنا أدعو الأمة المسلمة إلى العودة إلى الله، والفرار إليه سبحانه، وسلوك طريق النجاة.
وهذه أهم مرتكزات النجاة في سائر الأمم:
أولها: التوبة والإنابة وتحقيق التوحيد:
قال تعالى في قوم يونس عليه السلام: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين) . [سورة يونس، الآية: 98] . فإنهم لما فارقهم، وتحققوا نزول العذاب سارعوا إلى التوبة والإنابة، وندموا على ما كان منهم، ولبسوا المسوح، وفرقوا بين البهائم وأولادها، ورفعوا الأكف إلى الله ضارعة لزوال العذاب، وكانوا قد رأوا العذاب مقبلا عليهم كقطع الليل المظلم، فقبل الله توبتهم، ورفع عنهم عذابه، وهذا قول جماهير السلف والخلف (1) .
ثانيها: الاستغفار:
قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) . [سورة الأنفال، الآية: 33] .
قال ابن عباس رضي الله عنه:"إن الله جعل في هذه الأمة أمانين، لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم: فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيكم؛ قوله: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) . [سورة الأنفال، الآية: 33] ". أ. هـ
والاستغفار سبب لنزول الخيرات ودفع البلاء والعقوبات قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) . [سورة نوح، الآيات: 10- 12] .
فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أنه صعد المنبر ليستسقي فلم يزد على الاستغفار وقراءة الآيات في الاستغفار ومنها هذه الآية: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً) . ثم قال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي ستنزل بها المطر". [ذكره ابن كثير في تفسيره] .
ثالثها: إحسان العمل وحسن الظن بالله:
وهذا مع ترك المعاصي والذنوب.
فإحسان العمل مضمونُ حسنِ الظن بالله، وكما قال الحسن البصري رحمه الله:"إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وان الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل".
فليس من حسن الظن بالله أن نبارزه بالمعاصي ونعادي أولياءه، ونوالي أعداءه، فهذا إتباع للهوى، وهو معنى العجز كما في الحديث:"الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله". [رواه الترمذي] .
يقول ابن القيم رحمه الله:"وكثير من الجّهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، فضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند". أ. هـ.
وروى الإمام أحمد عن جُبير بن نُفير عن أبيه قال:"لما فتحت قبرص فرق بين أهلها، فبكى بعضهم، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم اعز الله فيه الإسلام وأهله؟! فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمّة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى".
رابعها: إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
فهي سفينة النجاة لهذه الأمة، وصمام الأمان لما نحن فيه من النعم، ولنا في قصة قوم موسى عليه السلام عظة وعبرة، كما ذكرهم تعالى في قوله: (واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) . [سورة الأعراف، الآيات: 163- 166] .
قال ابن عباس رضي الله عنه:"كانوا ثلاثاً: ثلثٌ نهوا، وثلثٌ قالوا: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ) وثلثٌ أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهو وهلك سائر". أ. هـ
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساس قيام هذه الدولة منذ أن تعاهد الإمام محمد بن عبد الوهاب مع الإمام محمد بن سعود رحمهما الله.
وما الحملة الإعلامية التدليسية على هذا الجهاز العظيم إلا محاربة للشريعة، والسعي لعدم تطبيق أحكامها، والقضاء على جميع أجهزة الدولة الأخرى كالقضاء والعدل والأمن.
إنّ من يحارب هذا الجهاز الأمني هو يسعى في الحقيقة إلى انتشار بيوت الدعارة والفجور وانتشار الفاحشة، فما حارب هذه الأوكار إلا رجال الهيئة المخلصون وما أحداث (البطحاء) التي تم كشفها منا ببعيد!.
ومن حارب رؤوس السحر والشعوذة والدجل والخداع؟!.
ومن حارب مصانع الخمور والمخدرات؟!
إنهم هؤلاء الرجال.
وإنني من واقع عملي وتنقلي في أكثر من مؤسسة تعليمية أقول:
لو رأى كل أب شفوق أو أخ حريص، أو زوج غيور وقت انتهاء الدوام وانصراف الموظفات والطالبات، وقد تجمهر أولياء الأمور أمام الأبواب، ورأى هؤلاء الرجال وهم يحمون الأعراض ويحولون دون كل عابث يريد التسلي بأعراض المسلمات، والنيل منهن، لو رأوا ذلك لما وسعهم إلا رفع الأيدي بالدعاء لهذه العيون الساهرة، والقلوب الحية، التي بذلت أوقاتها وجهودها في حراسة الفضيلة، وردع العابثين، والأخذ على أيدي العصاة والسفهاء المتهاونين في حقوق الله وحقوق العباد،!.
إن مما يقوي هذه الشعيرة ويدعمها".زيادة فاعلية جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".