والسهر له أسباب عديدة، كلها لم تكن موجودة من قبل، ومن أهمها:
* كثرة النوم في النهار ، فإن من ينام نهاراً سيسهر ليلاً.
* وجود ما يعين على السهر من آلات اللهو والطرب والقنوات الفضائية.
* وجود المستراحات.
* تنظيم الاجتماعات العائلية ، والمناسبات الاجتماعية الأخرى في أوقات الليل، سواء في المنازل أو في المستراحات ، ومثل هذا التجمعات الشبابية في المقاهي أو المستراحات أو على الأرصفة ، أو على تلال الرمال.
* تغيير نظام الغذاء ، ومنه وجبة العشاء التي تتأخر ليلاً.
* نشاط البيع والشراء ليلاً ، وأكثر لا يشتري حوائجه ومطالب بيته إلا في الليل.
* ضعف القوامة على البيوت والتربية الإسلامية.
ويمكن تلخيص ما تقدم بأن مشكلة السهر ظهرت مع إلغاء خصائص كل من الليل والنهار لدى كثير من شرائح المجتمع ، وعدم التمييز بين وظائفهما ، ومن ثم خَلْطُ أعمالِ كُلِّ منهما بالآخر .
وللسهر آثار سيئة منها:
* آثار دينية: من تفويت صلاة الفجر، أو صلاة النهار عموماً، والحرمان من قيام الليل والإدلاج بشر ، حيث يُتِمُّ ليله في لعب ولهو ثم ينام على هذه الحال.
* آثار صحية: من سوء التغذية ، وحرمان البدن حظه من النوم المناسب له ، وهو نوم الليل لا نوم النهار، وقد أجمع الأطباء على مضرة السهر وجوب إعطاء البدن حظه من النوم ليلاً ، وأن نوم النهار لا يعوض عن نوم الليل، والنوم أول النهار مضر بالصحة ، مؤثر على الجسم ، فهو يرخي البدن، ويسبب الكسل ، ويفسد الفضلات التي ينبغي تحليلها بالمشي والحركة، كما يسبب الصداع والخمول ، وتراكم الشحوم على البدن ، ويكون صاحبها عرضة للكثير من الأمراض ، وإنك لترى علامات الكسل وانقباض النفس وسوء المعاملة عند كثير من هؤلاء الذين يسهرون ليلهم وينامون سحابة نهارهم.
* آثار نفسية: وهي القلق والاضطراب ، وعدم الراحة في النهار ، فالساهر خبيث النفس ، كسلان.
* آثار اجتماعية: وهي الإساءة إلى الزوجة حينما يسهر زوجها خارج بيته إلى ساعة متأخرة من الليل، واختلال نظام الأسرة ، وضياع أمور القوامة ، والتقصير في الوظائف اليومية ، ولاسيما فيما يتعلق بالآخرين ، حيث تجد الموظف السهران ، فاسد المزاج ، سيئ المعاملة ، مقصراً في أداء عمله قد لا يأتي إلا متأخراً.
* آثار اقتصادية: وذلك أن المجتمع يفقد نسبة كبيرة من أبنائه حين يسهرون ليلهم ، وينامون بياض النهار، إن ( من الغفلة والحرمان وسبيل فناء الأمم أن يألف شبابٌ أصحاءُ النومَ حتى الضحى أو ما بعد الضحى حتى تطلع عليهم الشمس وتتوسط في كبد السماء وهم يغطون في نوم عميق، قد بال الشيطان في آذانهم ، إذا قام أحدهم فهو ثقيل الخطى، خبيث النفس ، هزيل القوى ، كسلان ، على حين تطلع الشمس على قوم آخرين من غير أهل الإسلام وهم منهمكون في وسائل معاشهم وتدبير شؤونهم، تأبى سنن الله إلا أن يعطي كل امرئ حسب استعداده وعمله وجده) [19] .
إن ظاهرة السهر مشكلة معقدة ، تحتاج إلى علاج حاسم ، تتظافر فيه جهود الدولة مع الآباء والمربين ، ويبدو أن القضاء على السهر أمر متعذر بادئ ذي بدءٍ، لكن تخفيفه أمر ممكن .
وكلامي هذا موجه إلى الأسر المسلمة والمخاطب وليها ، فأنا أرى ما يلي:
* دراسة موضوع السهر ومعرفة أسبابه والتأمل في أضراره ومخالفته لتعاليم الدين ، وتوجيهات الوحي ، وقواعد الحس.
* المبادرة بوجبة العشاء بعد صلاة العشاء مباشرة ؛ لئلا يكون هناك مجال للسهر أو تأخر الأولاد خارج المنزل.
* حث الأولاد على الحضور إلى المنزل بعد صلاة العشاء ، وبيان ما في ذلك من الفوائد وما في ضده من السلبيات.
* محاسبة من يتخلف من الأولاد عن حضور وجبة العشاء ومحاسبة من يتخلف عن المجيء إلى المنزل ليلاً.
* اختصار حفلات الزواج وإلغاء حضور العوائل من النساء والأطفال والمبادرة بتقديم وجبة الطعام.
* الاعتذار عن حضور ولائم الزواج ومنع الأهل والأولاد من الحضور إلا في حالات لابد منها ؛ لأن لحفلات الزواج في أيامنا هذه مفاسد متعددة، ولاسيما على النساء.
* تزويج الأولاد البالغين له أثر كبير- في الغالب - على بقاء الولد في المنزل وتقليله أو تخليه عن السهر خارجه.
* على الأب وراعي الأسرة أن يكون دقيق الملاحظة يعالج أموره بحكمة ، بعيداً عن بطش اليد وسلاطة اللسان ؛ لأن هذا له نتائج سيئة، وعواقب وخيمة ، والتركيز على الأولاد الصغار من الأهمية بمكان.
الوقفة الثامنة: مع الدورات العلمية والمراكز الصيفية:
تكثر الدورات العلمية في إجازة العام الدراسي، وهذه الدورات فرصة ثمينة لطلب العلم والاستفادة من الوقت، ولهذا يقبل الطلابُ عليها إقبالاً طيباً، يدل على الرغبة في التحصيل والحرص على الاستفادة من الوقت ، وتُبذل جهود وأوقات وأموال من جهة المسئولين والقائمين على تنظيم هذه الدورات ، نسأل الله تعالى لهم الإعانة والتوفيق والمثوبة.
ومن المظاهر الطيبة في الإجازة انتشار المراكز الصيفية ، التي يقوم عليها عدد من المدرسين والمربين ممن بذلوا جهداً ووقتاً لحفظ الناشئة وحمايتهم من الضياع ، وفي هذه المراكز يحصل خير كثير من حفظ الوقت ، وتنمية المواهب ، وتعليم الناشئة وتربيتهم ، جزى الله القائمين على هذه المراكز خير الجزاء وأعانهم على ما فيه نفع الآخرين ، وإنني أنصح الشباب وأولياء أمور الناشئة باستغلال فرص التعليم والتربية في هذه الإجازة ، والحرص على الاستفادة منها ، والدعاء للقائمين عليها.
الوقفة التاسعة: مع العمل البدني:
لقد حث الإسلام على العمل ، واعتبره من أفضل الطرق لكسب الرزق ، وتأمين المعيشة ، قال تعالى: (( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) ) (الجمعة: 10) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده ) ) [20] .
والتكسب هو طريق المرسلين الذين أمرنا الله بالاقتداء بهم ، وقد كان زكريا عليه السلام نجاراً [21] ، وكان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده [22] .
والنبي صلى الله عليه وسلم رعى الغنم على قراريط لأهل مكة [23] واتجر بمال خديجة رضي الله عنها [24]
والشباب إذا لم يمكنه استغلال الإجازة بالاستفادة العلمية ، فعليه أن يستفيد منها بالعمل البدني الذي يميل إليه ، كأن يكون مع أبيه في متجره أو مصنعه أو مزرعته أو أية مهنة مباحة يمارسها، يستفيد منها مادياً، ويسلم بها من خمول الذهن، وفساد التفكير، واضطراب المنهج ، كما يسلم من سهر الليل ونوم النهار.
الوقفة العاشرة: مع الحدائق وأماكن الترفيه:
يكثر في الإجازة تردد العوائل على الحدائق العامة وأماكن الترفيه بقصد إزالة التعب والانبساط وإدخال السرور على النفس، ولا سيما الأسر التي تسكن في أماكن صغيرة . ومن الملاحظ أن هذا النوع من الترويح والاستجمام يكتنفه مفاسد متعددة منها: -
* ما يحصل في هذه الأماكن من الاختلاط ، عندما يتسلل عدد من الشباب إلى هذه الأماكن أو يأتون مع أهليهم لمقاصد سيئة ، ثم ما يحصل من جولان لبعض الفتيات المراهقات في الحدائق وتعرضهم لتحرشات الشباب ذوي النفوس المريضة ، والنظرات الجائعة المتلصصة ، وينتج عن هذا أمور يندى لها جبين المسلم الغيور ويتقطع قلبه عليها حسرات ..
* تساهل النساء بالحجاب ، وإبداء مواضع الزينة ، ورفع الأصوات ، والخضوع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ، ومثل هذا يؤدي إلى ضعف الحياء عند المرأة أو فقدانه لا سيما إذا اعتادت مثل هذه الأماكن .