في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: استقامةُ الموازين، واتزانُ المفاهيم ، فيجلو أمرَ المنكرِ أمامَ الناس، ويعلمون أنَّهُ منكراً كما يعلمون أنَّ هذا الأمرُ المعينُ من المعروف، ومن ثمَّ يقبلون على هذا ويعرضون عن ذاك0
أيُّها المسلمون:
إنَّ في تركِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتساهلَ فيه تعريضاً للنفسِ والمجتمعِ لعقوباتٍ عاجلةٍ وآجلة، وفي الحديثِ الحسن: إنَّ اللهَ عز وجل لا يُعذبُ العامةَ بعملِ الخاصة، حتى يروا المنكرِ بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروهُ، فإذا فعلوا ذلك عذَّبَ اللهُ الخاصة والعامة ، وفي الحديث الآخر: (( ما من قومٍ يُعمل فيهم بالمعاصي ثُمَّ يقدرون أن يغيروا ولا يغيرون إلاَّ يوشك أن يعمهم الله بعقاب ) ).
والعقوبات تتنوعُ وتقعُ بصورٍ مختلفة ، فمنها ما يكونُ بالتدميرِ بالزلازل، أو الفيضانات، أو نقصِ الأنفس، أو الأوبئةِ، أو نقصِ الثمرات، ومنها ما يكونُ بالريحِ أو بإدالةِ الأعداء، أو بتولي أهلِّ الشر وتسلطهم على رقاب المسلمين .
وبهذا تعلم أنَّ العاصي لا يضرُ نفسهُ فحسب، وإنَّما يضيرُ مجتمعهُ بأكمله ، في تركِ هذه الشعيرةِ تجرئةً للعصاة والفسَّاق على أهلِ الحقِّ والخير، فينالون منهم، ويتطاولونَ عليهم ، واللهُ المستعان .
في تركِ هذه الشعيرةِ تزيينٌ للمعاصي عند الناس وفي نفوسهم ، وانتشارٌ للجهلِ، وفشوا الفسادِ ، وترك هذه الشعيرةِ سببٌ لعدمِ إجابةِ الدعاء كما في الحديث: (( مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يُستجابُ لكم ) )، ترك هذه الشعيرةِ سببٌ لظهورِ غُربةِ الدين، واختفاءِ معالمه، وتفشي المنكرات والظلم ، حتى يصبحُ المتمسكُ بدينهِ غريباً بين الناس، قالَ الخلال: أخبرني عمر بن صالح، قال: قال لي أبو عبد الله: يا أبا حفص يأتي على الناس زمانٌ يكونُ فيهم المؤمن بينهم مثل الجيفة، ويكونُ المنافقُ يشارُ إليهِ بالأصابع، فقلتُ يا أبا عبد الله:
وكيف يشارُ إليه بالأصابع؟! فقال: يا أبا حفص صيَّروا أمرَ اللهِ فضولاً، ثُمَّ قال المؤمنُ إذا رأى أمراً بالمعروف أو نهيا عن المنكر، لم يصبر حتى يأمر وينهى، فيقولون عنه: هذا فضول، والمنافقُ كلُّ شيءٍ يراهُ يقولُ بيدهِ على فمه، فيقولون: نعمَ الرجل، وليس بينهُ وبين الفضول عمل0
إنَّ الحسبةَ التي ارتضاها ولاةُ أمر هذه البلاد، واحدةً من قنواتِ الدفاع عن الدين والمجتمع، هي الحصنُ بعد اللهِ تعالى في مواجهةِ العديد من الأعداءِ الحاقدين ، وما يقومُ به رجالُها من تضحياتٍ حقيق بكلِّ تقديرٍ وإكبار، بل هو الأحقُّ قبل غيرهِ بدعوات الأسحار، ومضا نُ الإجابةِ لأنَّ العمل المنوطُ بهم همٌّ لكلِّ أسرةٍ وكل فرد، تكفل لهم الحسبةُ المناعة ضدَّ ذئابٍ تعطشت لهتكِ أعراضٍ وحرمات .
عباد الله:
إنَّ وقفةً مخلصةً للهِ وحدهُ ثُمَّ لهؤلاءِ النفرِ من القومِ، بالدعاءِ والنصرةِ كفيلٌ بأن يحمي لنا مجتمعنا، وبراءاتهِ التي بدأ يفقدُ الكثير منها، وتستشري فيه الظواهرُ المزعجةِ للعينِ والقلب، مما لم نعهد مثلهُ قبلَ السنواتِ الأخيرةِ، مما ينذرُ بخللٍ خطيرٍ في تركيبةِ المجتمع، وكيف كان وإلى أين يؤول؟ إبراءً للذمم، وكفاً لشرٍ أعتى وأمَر، وأملاً في اللهِ تعالى وحده ثُمَّ برجالِ الحسبةِ في مستقبلٍ أنقى برجاله ونسائه ،وأطهرُ بمبادئِ أهليه، وهي النموذجية المطلب والمنتظر، ألا هل بلغت، اللهمَّ فأشهد .
الخطبة الثانية
أيُّها المسلمون:
في زمننا خفَّت نورُ الأمرِ بالمعروفِ وضعفَ رجاله، وقلّ أنصارهُ وحينها استنمر البغاة، واستنوق الجمل، وجرفَ أمتنا سيلُ العرم من المنكرات والضلالات، فمن الأسواقِ تنبعثُ روائحُ الفسقِ والعصيان، غشٌ و خداع ، تبرجٌ وسفور، حياءٌ يُوأد، وغيرةٌ تداس، وخلف النساءِ أشباهُ رجال، إلى الحدائقِ والمتنزهاتِ فلا ستار ولا أسوار، وهُناك هُتكت الأستار، وخلت الذئابُ بالنعاج، لأنَّ أسودَ الغابة أسلموا للذئابِ القيادة، وانشغلوا بالسمرِ والسهر، وفي الحدائقِ يا مسلمون جُرح العفافُ ، واستغضبَ الجبار، ورايةُ الإصلاح منكسة، واللهُ حسبنا ونعم الوكيل، وإلى الأفراحِ وحفلاتِ الزواج، حيثُ المنكراتِ جلَّت عن الوصف، غناءٍ وبطرٍ وتفسخٍ وتبرج، هُناك وفي القصورِ تطبيقٌ عملي لتعاليم القنوات الهابطة، وإرشاداتِ المجلات الساقطة .
وإلى المُدنِ الترفيهيةِ والملاهي، حيثُ رُفعت راية ( الغاية تبرر الوسيلة ) ، ويمارسُ التسفيهَ باسم الترفيه، ويُشجعُ الشركُ باسم السيرك، ويُوأدُ الحياءُ عند النساءِ تحت مسمَّى الحرية، وإلى المطاعمِ حيثُ ظهرت موضةٌ منكرةٌ شعارها ( اتصل نصل ) وباسمها تفتحُ أبوابَ بيوتنا في الهزيعِ الأخير من الليل .
والمستقبِل نساؤنا ومحارمنا، والمستقبَل رجالٌ في قمةِ الأناقةِ مظهراً و الميوعةِ منطقاً، وسيدُ البيتِ نائمٌ، أو في الاستراحاتِ هائم ، ويا للهِ كم حدثٍ بسببِ تلك الخدمةِ من مآسٍ، وأنتم يا غيورون عن هذا غافلون .
وفي مجتمعات النساءِ يظهرُ كلُّ يومٍ منكرٌ جديد، وهو نتاجٌ لهذا الانفتاحِ المرِ عبر وسائلِ الإعلام، حيثُ ظهرت آثارُ القنواتِ وحصادُ الأفلامِ والمسلسلات، وآخرُ ما استقبلتهُ نساؤنا من عاداتِ الغربِ وتقاليده، موضةً اسمُها حفلاتِ التنكر، حيثُ تظهرُ النساءُ في كلِّ مُناسبةٍ في زى دولةٍ من الدول، مهما كان ثمنهُ وكانت حشمتهُ وستره .
إننا أيُّها المسلمون:
نعيشُ مسلسلاً دامياً من المنكرات في كلِّ الميادين، سياسيُّها واقتصاديها، واجتماعيُّها وثقافيها .
في مجتمعاتِ الرجال والنساء، في مجتمعِ الشباب والصغار والكبار، منكراتٌ ظهرت نتيجةَ التساهلِ الخطيرِ بالأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكرات0
منكراتٌ ظهرت حينما ترسَّخ لدينا مفهومٌ جائر، بأنَّ الأمر بالمعروفِ مقصورٌ على رجال الهيئات، وأنَّ الأمر والنهي من غيرهم تدخلٌ وفضول يُحاسبون عليه ، منكراتٌ ظهرت وانتشرت لأنَّ فئةً من علمائنا ودعاتنا وخطبائنا مازالوا في برجهم العاجي يرددون، يجبُ على الناسِ وينبغي عليهم ، دون أنَّ ينزلوا هم إلى الميدان منكرين، إنَّهُ لن يوقفَ سيلَ الفسادِ، ولن تصلحَ البلادَ والعباد، ولن تسلمَ سفينةُ المجتمعِ إلاَّ عندما تشعرُ الأمةُ كلها، رجالها ونساؤها، شيبها وشبابها، مستقيمو ها والمقصرون فيها، عندما يشعرون بمسؤوليتهم عن حمايةِ السفينةِ وتحصينها من الغرق .
إنَّ الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مسؤوليةَ المستقيمين وحدهم، بل هو أمانةٌ في عُنقِ كلِّ مسلمٍ ينتسبُ لهذا الدين، ولو كان ظالماً لنفسهِ،
فلو لم يعظ في الناسِ من هو مذنبٌ ** فمن يعظُ العاصين بعد محمد
وكم علمنا لعصاةٍ مقصرين من مواقفٍ في الغيرةِ للدين ولحرمات المسلمين، يعجزُ عن بعضها بعضُ الملتحين والمتدينين، وماذا تغني المظاهرُ وحدها، وما قيمةُ اللحى إذا كانت تخفي وراءَها وجوها لا تمتعرُ غضباً لله، وغيرةً لدين اللهِ، وما قيمةُ الثيابِ القصيرةِ إذا كان تحتها قلبٌ لا يتحركُ ولا ينبضُ بالحميةِ لدين الله، ولا يتقدُ بالحماسِ والغيرةِ، وما قيمةُ شفتين لم تتلوثا بالدخان، لكن خلفهما لساناً ساكتاً عن الحق، ورُبما كان ناطقاً بالباطل، مخذِّ لاً عن الحقِّ، والساكتُ عن الحقِّ شيطانٌ أخرس .
أيُّها الأخ المسلم: