ومن كيدِ المُفسدين في مثلِ المجتمعاتِ المحافظةِ، ولوجودِ أهلِ العلم والغيرة أنَّهم لا يُجاهرون بنواياهم الفاسدة، ولكنهم يتسترون وراءَ الدين، ويُلبسون باطلهم بالحقِّ واتباع ما تشابه منه، وهذا شأنُ أهلِّ الزيغِ كما أخبر الله، وهُم أولَّ من يعلمُ أنَّ فساد أي مجتمعٍ إنَّما يبدأُ بإفسادِ المرأةِ واختلاطها بالرجال، وهذه حقيقةٌ لا يُماري فيها أحد، وملل الكفر أولَّ من يعرفُ هذه الحقيقة ومن خلالها دخلوا على كثيرٍ من المجتمعات المسلمين وأفسدوه، وحققوا أهدافهم البعيدة، وتبعهم ذلك المهزومون من بني جلدتنا، ممن رضعوا من لبانِ الغرب وأفكاره. ولكن لأنَّهم يعيشون في بيئةٍ مسلمة، ولا زالَ لأهلِ العلم والغيرةِ حضورهم، فإنَّهم لا يتجرأون على طرحِ مطالبهم التغريبيةِ بشكلٍ صريح، لعلمهم بطبيعةِ تدينِ الناسِ ورفضهم لطروحاتهم، وخوفهم من الافتضاحِ بين الناس، ولذلك دأبوا على اتباعِ المتشابهاتِ من الشرع وإخراج مطالبهم في قوالب إسلامية، وما فتئوا يُلبسون الحقَّ بالباطل، وهم كما قال الله: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ) (البقرة:11) .
ومن تلك الطروحات التي أجلبوا عليها في الآونةِ الأخيرةِ ونشروها في مجتمعنا المُحافظ، وفي بلدنا الذي يأرزُ إليهِ الإيمان، وتهوي إليه أفئدةُ الصالحين، ومنه نبعت الفضيلةُ ودعاتها، مطالبتهم بكشفِ المرأة عن وجهها، وإخراجها من بيتها، وهم يعلمون ونحنُ نعلمُ أنَّ تلك هي الشرارةُ الأولى، والخطوةُ الأولى نحو فسادِ المرأة،، وذهابِ حيائها، وهم في دعواتهم هذه يُلبسون الباطلَ ثوبَ الحقِّ، ويصوغُون القضيةَ بقالبٍ شرعي، ويعتمدون بزعمهم على أدلةٍ شرعيةٍ وأقوالٍ لبعض العلماء.
ونحنُ أيُّها المسلمون إحقاقاً للحقِّ، وبياناً لهُ، نقفُ مع هؤلاءِ وقفات:
أولاها: أنَّ هُناك فرقاً بين فتاوى مبينةٍ على التحري والاجتهاد، وأخرى محلولةَ العقالِ، مبنيةً على التجري لا التحري، والتي يصدرُها قومٌ لا خلاقَ لهم من الصحفيين، ومن أسموهم المفكرين وأهل التنوير ، يفرقونَ من تغطيةِ الوجهِ لا لأنَّ البحث العلمي المجرد أدَّاهم إلى أنَّهُ مكروهٌ أو جائز، أو بدعةٌ كما يرجفون ، ولكن لأنَّه يشمئزُ منهُ متبوعهم من كفارِ الشرقِ والغرب، ولك أن تُقدرَ شدةَ مكرِ القومِ الذين يُريدون من جانبهم أن يتبعوا التمدن الغربي، ثُمَّ يُبررون فعلهم هذا بقواعدِ النظام الإسلامي الاجتماعي 0
لقد أوتيت المرأةُ من الرخصةِ في النظام الإسلامي، أن تُبدي وجهها وكفيها، وما دعت إليه الحاجةُ والضرورة في بعضِ الأحوال، وأن تخرجَ من بيتها لحاجتها، ولكن هؤلاءِ يجعلون هذا نقطةَ البدءِ، وبدايةَ المسيرِ، ويتمادونَ إلى أن يخلعوا عن أنفسهم ثوبَ الحياءِ والاحتشام، فلا يقفُ الأمرُ بإناثهم عند إبداءِ الوجهِ والكفين، بل يجاوزهُ إلى تعريةِ الشعرِ والذراعِ والنحرِ، إلى آخرِ هذهِ الهيئاتِ القبيحةِ المعروفة، وهاهو ذا المودودي- رحمهُ الله- يصرخُ في وجهِ هؤلاءِ الأحرار في سياستهم، العبيدُ في عقليتهم، قائلاً: (( ولا ندري أيُّ القرآن أو الحديث يستخرج منهُ جوازُ هذا النمطِ المبتذلِ من الحياة، وإنَّكم يا إخوانَ التجدد إن شاءَ أحدكم أن يتبعَ غير سبيلِ الإسلام فهلا يجترئ، ويصرح بأنَّهُ يُريدُ أن يبغي على الإسلام، ويتفلت من شرائعهِ وهلا يربأ بنفسهِ عن هذا النفاقِ الذميم، والخيانة الوقحة ) )0
وثاني الوقفات: أنَّ قضية الحجابِ اليوم، وما يدورُ بينها وبين السفورِ من معارك، لم تُعد قضيةً فرعية، ومسألةً خلافية، ولكنَّها باتت قضيةً عقديةً مصيرية، ترتبطُ بالإذعانِ والاستسلامِ لشرع الله عز وجل، في كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، وعدم فصلها عن شئونِ الحياة كلها.
إنَّ التشنيعَ على تغطيةِ المرأة وجهها، والتهالكُ على خروجها من بيتها، واختلاطها بالرجال، ليست اليومَ مسألةً فقهيةً فرعية، ولكنَّها مسألةً خطيرةً، لها ما بعدها، لأنَّها تقومُ عند المنادين بذلك على فصلِ الدين عن حياةِ الناس، وعلى تغريبِ المجتمعِ، وكونها الخطوةُ الأولى أو كما يحلو لهم أن يُعبروا عنها بالطلقة الأولى .
وثالث الوقفات: إنَّ المناديةَ اليوم بكشفِ وجه المرأةِ أمامَ غير المحارم، إنَّما يُوجِّهون نداءَهم إلى مجتمعاتٍ محافظة، لم تعرف نساؤهُ إلاَّ الحشمةَ و الحياء، وتغطيةَ الوجهِ والبُعد عن الرجالِ الأجانب، وهذا مما يُثيرُ العجب، ويُحيرُ العقلَ، و يضعُ استفهاماتٍ كثيرةٍ على مطالبهم تلك، فماذا يُريدون من ذلك، وماذا عليهم لو بقيت نساؤُهم وبناتهم وأخواتهم ونساء المسلمين، على هذه الحشمةِ والعفةِ و الحياء ، ماذا يضيرهم في ذلك ؟ ألا يشكرون اللهَ عزوجل على هذه النعمة العظيمة، ألا يعتبرون بما يرونه في المجتمعات المختلطة المتبرجة، حيثُ ضاعت قوامةُ الرجل، وظهرَ الفساد، وهُتكت الأعراض، وأصبحت تلك البُلدان مقصدَ كلِّ فاجر، وملاذَ كلِّ طالبٍ للرذيلة .
إن زماننا اليومَ زمنَ العجائبِ، وإلا فعلامَ يشرقُ قومنا بالفضيلةِ والطُهر والعفاف .
ورابع الوقفات: أنَّ الأدلةَ الموجبة لستر وجه المرأة و كفيها عن الرجالِ الأجانب، ووجوب الابتعادِ عنهم، أدلةً كثيرةً وصحيحة وصريحة، ويُمكنُ الرجوعُ إليها في فتاوى ورسائلِ أهل العلم الراسخين ، ولكن يحسنُ أن نُشير إلى أنَّ علماء الأمةِ قديماً وحديثاً من أجازَ منهم كشف الوجه ومن لم يجزه، كلهُم مُتفقون ومُجمعون على وجوبِ سترِ وجه المرأةِ وكفيها، إذا وجدت الفتنةُ وقامت أسبابها ، فبربكم أيُّ فتنة هي أشدُّ من فتنةِ النساء في هذا الزمان؟!! حيثُ بلغت وسائلُ الفتنةِ والإغراء بهنَّ مبلغاً لم يشهدهُ تاريخُ البشريةِ من قبل، وحيث تفنن شياطينُ الأنس في عرضِ المرأة بصورها المُثيرةِ في كلِّ شئ، في وسائلِ الأعلامِ المقروءةِ والمسموعة والمرئية، وأخرجوها من بيتها بوسائلِ الدعايةِ و المكرِ والخداع ، فمن قال بعد ذلك إنَّ كشف المرأة عن وجهها، أو شئٍ من جسدها لا يثيرُ الفتنةَ فهو والله مغالطٌ مكابر، لا يوافقهُ في ذلك من لهُ مسكةٌ من دينٍ أو عقلٍ أو مروءة .
وإذا تبين ذلك فلنعلم أيضاً أنَّ هذا القدر من الخلاف بين العلماء بقي خلافاً نظرياً إلى حدٍ بعيد، حيثُ ظلَّ احتجابُ النساءِ هو الأصلُ في الهيئةِ الاجتماعية، خلالَ مراحلِ التاريخِ الإسلامي، كما قال شيخ الإسلام: (كانت سنة المؤمنين في زمن النبيe أنَّ الحُرة تحتجب)
وقال الإمامُ الغزالي: (( لم يزل الرجالُ على مرِّ الزمان مكشوفي الوجوه، و النساءَ يخرجن متنقبات ) )0
أيَّها المسلمون: