فهرس الكتاب

الصفحة 8731 من 9994

وقد يُبطئُ النصرُ لأنَّ الأمةَ المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها، وتضحياتها لله ولدعوته، فهي تُقاتلُ لمغنمٍ تُحققه، أو تُقاتلُ حميَّةً لذاتها، أو تُقاتلُ شجاعةً أمام أعدائها، واللهُ يريدُ أن يكون الجهادُ له وحدهُ وفي سبيله، بريئاً من المشاعر الأُخرى التي تلابسهُ، وقد سُئل رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم-: (( الرجلُ يُقاتلُ حميةً، والرجلُ يُقاتلُ شجاعةً، والرجلُ يُقاتلُ ليرى فأيَّها في سبيل الله؟ فقال:"من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ) [3] "

كما قد يبطئُ النصرُ، لأنَّ في الشرِّ الذي تكافحهُ الأمة المؤمنة بقيةً من خيرٍ يريد

للهُ أنَّ يجردَ الشرَّ منها ليُمحِّص خالصاً، ويذهبَ وحدهُ هالكاً، لا تتلبسُ بهِ ذرةٌ من خيرٍ تذهبُ في الغمار.

وقد يبطئُ النصرُ لأنَّ الباطلَ الذي تحاربهُ الأمةُ المؤمنة لم ينكشف زيفهُ للناسِ تماماً، فلو غلبهُ المؤمنون حينئذٍ، فقد يجدُ لهُ أنصاراً من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعدُ بفسادهِ وضرورةَ زواله، فتظلَ له جذورٌ في نفوسِ الأبرياءِ الذين لم تنكشف لهمُ الحقيقة، فشاءَ اللهُ أن يُبقى الباطلُ حتى يتكشفَ عارياً للناس، ويذهبَ غيرَ مأسوفٍ عليهِ من ذي بقية . [4]

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ) ) (الرعد: من الآية11) .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين ، (( لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) (القصص: من الآية70) وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ إمامَ المتقين، اللهمَّ صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وأرض اللهمَّ عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أمَّا بعدُ إخوة الإسلام: فينبغي ألاَّ يخامرَ المسلمُ شلكٌ بنُصرةِ الله لهذا الدين، حتى وإن لم يرهُ بأمِّ عينه، وتحققَ لأجيالٍ بعده، فحسبهُ أن يكونَ جندياً صادقاً في سبيلِ خدمةِ هذا الدين، وحسبهُ أن يموتَ يوم يموت، وهو يُحسنُ الظنَّ بربهِ، ويستشعرُ بمسئوليتهِ تجاهَ دينه، قد حررَ عبوديتهُ لله.

أمَّا النصرُ فلابُدَّ من اكتمال أسبابهِ، وزالِ معوقاته، واللهُ يحكمُ ما يشاءُ ويفعلُ ما يريد، ووعدهُ حق، ونصرهُ قريب، وأمرهُ بين الكاف والنون، ولكن ثَمة أدواءٍ يتلبسُ بها المسلمون وهم يستشرفون النصر، ونصرُ اللهِ عزيزٌ لا بُدَّ فيه من تمحيصِ الصفوف، ولابُدَّ من تميزِ الخبيثَ من الطيب، لابُدَّ من سقطٍ لأصحابِ المطامعِ والأهواء، ولابُدَّ من تجريدٍ للصفوةِ المختارةِ التي يُحبُها الله، وتستحقُ نصره، لابُدَّ من تمييزِ المجاهدين الصادقين من المتقولين المنتفعين.

عباد الله:

وليست المسؤوليةُ في هذا على الناس على حدٍ سواء، فكلٌّ بحسبه، ولست العبوديةُ المؤهلةُ للنصر ضرباً من الأماني، أو قدراً محدوداً من العبادات، يظنُّ المرءُ فيها أنَّهُ بلغَ قمَّة الإيمان، واستحقَّ النصرَ لولا فساد الآخرين بزعمه، كلا، فالمسؤوليةُ كبيرة، والعبوديةُ المرادةُ لله شاملة، واسمع إلى أحدِ علماءِ السلف وهو يشخِّصُ الحال، وكأنَّهُ يعيشُ اليومَ بين ظهراني المسلمين،

ويقولُ ابن القيم في كتابه: ( أعلام الموقعين عن رب العالمين ) وهو يتحدثُ عن نوعي العبوديةِ العامةِ الخاصة: ( ولله سبحانهُ على كلِّ أحدٍ عبوديةً بحسبِ مرتبته، سِوى العبوديةِ العامةِ التي سوى بين عبادهِ فيها: فعلى العالم من عبوديةِ نشرِ السنةِ، والعلم الذي بعثَ اللهُ به رسلهُ ما ليس على الجاهل، وعليه من عبوديةِ الصبرِ على ذلك ما ليس على غيره، وعلى الحاكمِ من عبوديةِ إقامةِ الحقِّ وتنفيذهِ وإلزامه من هو عليه به، والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي، وعلى الغنيِّ من عبوديةِ أداءِ الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير، وعلى القادرِ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما) .

وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يوماً في الجهادِ والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت لهُ امرأةُ: هذا واجبٌ قد وضُع عنَّا فقال: هبي أنَّهُ قد وضَع عنكنَّ سلاح اليدِ واللسان، فلم يُوضع عنكنَّ سلاح القلب، فقالت: صدقت، جزا ك الله خيراً . أن يقول الشيخ- رحمه الله- وقد غرَّ إبليسُ أكثرَ الخلقِ بأنَّ حسنَّ لهمُ القيامَ بنوعٍ من الذكر والقراءة والصلاة والصيام، والزهدُ في الدنيا والانقطاع، وعطلوا هذه العبادات. فلم يُحدِّثُوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاءِ عند ورثةِ الأنبياءِ من أقلِّ الناسِ ديناً، فإنَّ الدين هو القيامُ لله بما أمر به، فتاركُ حقوقِ الله التي تجبُ عليه أسوأُ حالاً عند الله ورسولهِ من مُرتكب المعاصي، إلى أن يقول: ومن له خبرةً بما بعث اللهُ به رسولهُ- صلى الله عليه وسلم- وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أنَّ أكثرَ من يشار إليهم بالدين هُم أقلُّ الناسِ ديناً- والله المستعان- وأيُّ دينٍ وأيُّ خيرٍ فيمن يرى محارمُ تُنتهك، وحدودهُ تُضاع، ودينهُ يُترك، وسنةَ رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- يرغب عنها، وهو باردُ القلبِ، ساكتُ اللسان، شيطانٌ أخرس، كما أنَّ المتكلمَ بالباطل شيطانٌ ناطق، وهل بليَّةُ الدين إلاَّ من هؤلاءِ الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم فلامبالاةَ بما جرى على الدين؟ وخيارهم المحزن المتلمظ، ولو نُوزع في بعضِ ما فيه غضاضة عليه، في جاههِ أو مالهِ بذل وتبذل، وجدَّ واجتهد، واستعملَ مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء- كما يقولُ الشيخ رحمه الله- مع سقوطهم من عينِ الله، ومقت اللهِ لهم، قد بلوا في الدنيا بأعظمِ بليَّةٍ تكونُ وهم لا يشعرون وهو موت القلوب، فإنَّ القلبَ كلَّما كانت حياتهُ أتم، كان غضبهُ لله ورسولهِ أقوى، وانتصارهُ للدين أكمل [5] .

أيَّها المسلمون:

في تركِ أمرِ الله، وعدم التمعُّر لشيوعِ الفساد والمنكر، وقد ذكرَ الإمامُ أحمد وغيره أثراً، أنَّ اللهَ سُبحانهُ أوحى إلى ملكٍ من الملائكةِ أن اخسف بقريةِ كذا وكذا، فقال: يا رب كيف وفيهم فلانٌ العابد، فقال: به فابدأ، فإنَّهُ لم يتمعَّر وجههُ في يومٍ قط.

وذكر صاحبُ التمهيد: أنَّ اللهَ سُبحانهُ أوحى إلى نبيٍّ من أنبيائهِ أن قُل لفلانٍ الزاهد: أمَّا زُهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة، وأمَّا انقطاعُك إلىَّ فقد اكتسبت به العز، ولكن ماذا عملت فيما ليَ عليك؟ فقال: يا ربي وأي شيءٍ لك عليَ؟ قال هل واليتَ فيَّ وليا، أو عاديت في عدا ؟ [6]

هكذا إخوة الإسلام، فَهِمَ السلفُ- رحمهم الله- حقيقةَ العبوديةِ لله، وكذلك جاءتِ النصوصُ الشرعية، والوصايا النبويَّة تُؤكدُ أمرَ القيامِ له بحقهِ عبوديةً عامة، يشتركُ الناسُ فيها، وعبوديةٍ خاصة كلٌّ بحسبه، تضمنُ قيام أمر الله، تُرسي دعائمَ الخبرِ في الأرض، وتوالي الخيِّرينَ، وتحبُ الناصحين، وتسهمُ في اقتلاع الشرِّ من جذر وه، وتأخذُ على أيدي السفهاءِ وتأطرهم على الحقِّ أطرا، وتكرهُ المبطلين، وتُعادي الكافرين، وتبغضُ المنافقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت