فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وتفقهوا في دينكم في عقائده وفي أحكامه فإن ( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين ) (1) تعلموا أيها المسلمون شرائع الله لتعبدوا الله على بصيرة وتدعوا إليه على بصيرة فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنا معشر الأنبياء لنورث وإنما ورّث الأنبياء العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظٍ وافرٍ من ميراثهم) (2) اطلبوا العلم فإنه زخرٌ لكم في الحياة وبعد الممات قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا مات الإنسان أنقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقةٍ جارية أو علمٍ ينتفع به أو ولدٌ صالحٌ يدعو له) (3) اطلبوا العلم يكن لكم لسان صدق في الآخرين فإن آثار العلم تبقى بعد فناء أهله فالعلماء الربانيون لم تزل آثارهم محمودة وطريقتهم مأثورة وسعيهم مشكوراً وذكرهم مرفوعاً إن ذكروا في المجالس امتلأت المجالس بالثناء عليهم والدعاء لهم وإن ذكرت الأعمال الصالحة والآداب العالية كانوا قدوة الناس فيها أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارجٍ منها اطلبوا العلم مبتغين به الأجر من الله عز وجل لا لتنالوا عرضاً من الدنيا ( فإن من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرفْ الجنة يوم القيامة أي لم يجد ريح الجنة ) (4) اطلبوا العلم لترفعوا به الجهل عن أنفسكم فإن الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ولا علم إلا بالتعلم اطلبوا العلم لترفعوا به الجهل عن عباد الله فتنشروا العلم بين الخلق فإن على أهل العلم حق تبليغه قال النبي صلى الله عليه وسلم (بلّغوا عني ولو آية) (5) وقال (ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) (6) اطلبوا العلم لتحفظوا به شريعة الله فإن الشريعة تحفظ بشيئين بالكتابة وبالحفظ في الصدور وهو العلم اطلبوا العلم لتدافعوا به عن شريعة الله فإن الدفاع عن الشريعة إنما يكون برجال الشريعة أرأيتم لو أن رجلاً ضالاً مبتدعاً أو ملحداً أو مخرفاً قام يدعو إلى ضلالته بين قومٍ لا علم عندهم فهل يستطيع أحد منهم أن يبين ضلالته ويحمي الشريعة من عدوانه ولو قام هذا الضال يدعو إلى ضلالته وحوله من كتب الحق والهدى ما لا يحصى فإن هذه الكتب لن يقفز منها كتابٌ واحدٌ يبين ضلالته ويكبح عدوانه ولو قام هذا الضال يدعو إلى ضلالته في قومٍ بينهم عالم لقام هذا العالم مبيناً ضلاله داحضاً حجته مبطلاً لدعوته إذن فهذه قيمة طالب العلم اطلبوا العلم لتدعوا به إلى الله عز وجل فإن الدعوة إلى الله لا تتم بدون العلم وكم من شخصٍ نصب نفسه داعيةً إلى الله لكنه لا علم عنده فلا تكمل دعوته ولا تتم وربما تكلم عن جهلٍ فأفسد أكثر مما يصلح قال الله تعالى لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم ?قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ? [يوسف:108] أيها الناس إن طلب العلم من أفضل الأعمال لما فيه من هذه المطالب العالية لاسيما في وقتنا هذا الذي كثر فيه طلب الدنيا والتكالب عليها وكثر فيه القراء العارفون دون الفقهاء العاملين إن ثمرة العلم العمل والدعوة إلى الله به فمن لم يعمل بعلمه كان علمه وبالاً عليه ومن لم يدعو الناس به كان علمه قاصراً عليه من عمل بما علم ورثه الله علم ما لا يعل ?وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ? [ محمد:17] ومن ترك العمل بما علم أوشك أن ينزع عنه العلم ?فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ? [المائدة: 13] وقد قيل العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا أرتحل وقيل قيدوا العلم بالعمل كما تقيدونه بالكتابة أيها الناس إن لنيل العلم طريقين أحدهما أن يتلقى ذلك من الكتب الموثوق بها والتي ألفها علماء مرضيون بعلمهم وأمانتهم والثاني أن يتلقى العلم من معلمٍ موثوقٍ به علماً وديانة ولكن هذه الطريق أعني طريق تلقي العلم عن المعلم أسلم وأسرع وأثبت للعلم لأن الطريق الأول طريق التلقي من الكتب قد يضل فيه الطالب وهو لا يدري إما لسوء فهمه أو قصور علمه أو لغير ذلك ولأن الطريق الثاني طريق تلقي العلم من معلم تكون فيه المناقشة والأخذ والرد بين الطالب والمعلم فينفتح للطالب بذلك أبوابٌ كبيرةٌ في الفهم والتحقيق وكيفية الدفاع عن الأقوال الصحيحة ورد الأقوال الضعيفة وإن جمع الطالب بين الطريقين التلقي من الكتب ومن المعلمين كان ذلك أكمل وأتم وليبدأ الطالب بالأهم فالأهم وبمختصرات العلوم قبل مطولاتها حتى يكون مترقياً من درجةٍ إلى ما فوقها فلا يصعد إلى درجةٍ إلا وقد تمكن مما تحتها ليكون صعوده سليماً أيها الناس إن طلب العلم فرض كفاية فالقائم به قائمٌ بفرض وما تقرب أحد إلى الله بشيءٍ أحب إليه منما أفترضه عليه وإذا أحتاج الإنسان إلى نوعٍ منه كان فرض عينٍ عليه فعلى من أراد الوضوء مثلا أن يتعلم كيف يتوضأ وعلى من أراد الصلاة أن يتعلم كيف يصلي وعلى من عنده مال أن يتعلم كيف يزكيه وعلى من يدفع الزكاة وعلى من أراد الصوم أن يتعلم كيف يصوم وماذا يصوم عنه وعلى من أراد الحج أن يتعلم كيف يحج حتى يعبد الله على بصيرةٍ وبرهان وعلى من أراد البيع والشراء أن يتعلم ما يكون به البيع الصحيح من البيع الباطل وعلى من أراد أن يسبّل شيئاً من ملكه أن يعرف كيف يسبله وعلى أي وجهٍ يصرفه إلى غير ذلك من الأبواب الكثيرة التي يجب على من أحتاج باباً معيناً منها أن يتعلم أحكام الله فيه أيها المسلمون اعبدوا الله تعالى على بصيرة ولا سبيل لكم إلى ذلك إلا بالعلم فاسأل الله تعالى أن يوفقني وإياكم للهدى والرشاد اللهم وفقنا جميعا للهدى والرشاد اللهم جنبنا الضلال والغي والفساد اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا رب العالمين إنك جواد كريم اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
الحمد لله الذي علّم بالقلم علم الإنسان ما لا يعلم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكريم الأكرم وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من دعى إلى الله وعلّم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ وسلم..
أما بعد