فهرس الكتاب

الصفحة 8652 من 9994

بالرغمِ من كلِ ما يظهرُ من أبعادٍ دينيةٍ في حربِ اليهودِ ضدنا منذُ أكثرَ من قرنٍ من الزمان ، فإنَّ البعدَ الدينيَّ الإسلاميَّ لمواجهةِ هذا الخطرِ ، يَلقى مع الزمانِ صَداً ورداً ، فقد ابتُليتِ الأمةُ بمنافقين يتخذون من اليهودِ والنصارى أولياء ، كانت مهمتُهم الأولى منذُ بدأ الصراع ، هي التفننُ في كيفيةِ تمييعِ هذا الصراع ، ونزعِ المستطاعِ من طبيعتهِ الدينية ،وحقيقتهِ الاعتقاديةِ من جانبِ المسلمين ، مع أنَّ اليهودَ من جانبهِم يصرحون من خلالِ اسم دولتهِم وشعارهِا، ودستورهِا وبرامِجها عن توجهِ دينيٍ صريح ، حيثُ سموا دولتهَم باسمِ نبيٍ هو يعقوبُ أو إسرائيل، واتخذوا لهذه الدولةِ شعاراً هو نجمةُ داودَ التي ترمزُ للهيكلِ الثالث، وداودُ الذي سميتْ باسمهِ هذه النجمةُ هو نبيٌ أيضاً، وكذلك جعلوا من التوراةِ دستوراً لهذه الدولة ، ثُمَّ حددوا لها برنامجاً دينياً مستقبلياً، ينطلقُ من آيةٍ من سِفْر التكوينِ بالتوراةِ، تقولُ في خطابِ إبراهيمَ- عليه السلام-: ( لنسلِكَ أُعطي هذه الأرضَ ، من نهرِ مصرَ الكبيرَ إلى نهرِ الفرات ) ومع هذا الوضوحِ المفضوح ، فإنَّ المنافقين من العلمانيين أصرُّوا طيلةَ سنواتِ الصراعِ على أن يحجبوا الصبغةَ الإسلاميةَ عنه من طرفِ المسلمين ، مُصرِّين على رفعِ الراياتِ العلمانيةِ الجاهليةِ، التي لم ترفعْ الأمةُ بها رأساً، ولم تكسبْ عزةً أو بأسا .

لقد حوربَ التوجهُ الإسلاميُ في بلدانٍ عربيةٍ كثيرةٍ، لصالحِ الأمنِ الإسرائيلي ، وكان آخرُ ذلك ما جرى داخلَ فلسطينَ، منذُ ما يُعرفُ باتفاقيةِ (أوسلو ) ، حيثُ أوكلتْ إلى السلطةِ الفلسطينيةِ مهمةَ القضاءِ على الحركاتِ الجهاديةِ الإسلاميةِ داخلَ فلسطين ، وقد تَّم ذلك على الوجهِ المرضيِّ لليهود، حتى قالَ وزيرُ الخارجيةِ الحالي، ورئيسُ الوزراءِ الأسبقُ شمعون بيريز: إنَّ دولةَ إسرائيلَ عاشت أزهى عصورِها الأمنيةِ، في ظلِ السلطةِ الفلسطينية .

لقد أوصلتْ اتفاقيةُ أوسلو المنفردة،ُ بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى ما يجري الآن ، فاليهودُ يستبيحون القرى والمدن ، ويدكون المبانيَ والمرافق ، ويوغلون في القتلِ وسفكِ الدماء ، ولا يجدون إلاَّ رجالاً وأطفالاً شرفاءَ عظماء ، ولكنهم عزل،ُ إلاَّ من سلاحٍ قليل، وإعدادٍ هزيل ، وتنظيمٍ سبق إنهاكُه، وإمكاناتٍ سبقت محاصرتهُا ومحاربتُها، هل علمتم يا أمةَ الإسلام كيف سقطتْ جِنِين؟ تلك المدينةُ الصامدةُ المجاهدة، إنَّها صفعةٌ في وجهِ الأمةِ المليارية، حيثُ نفذتْ ذخيرةُ المجاهدين، فلم يجدوا ما يقاومون به عدوَهم ، ويدافعون به عن حرماتهِم، فمن المسؤولُ عن ذلك ؟!!

مليارُكم لا خيرَ فيه كأنما كُتِبتْ وراءَ الواحدِ الأصفارُ

من يتحملُ اليومَ مسؤوليةَ إضعافِ المقاومةِ الإسلاميةِ الجهاديةِ في فلسطين ؟ من يحملُ وزرَها ويبوءُ بإثمها ؟ إننا نقولُ: وبكلِ صراحةٍ، إنهم القوم الذين يستغيثون اليومَ بالعالمِ للخروجِ من الحصار، إنهم أصحابُ أسلو .

الوقفةُ الخامسة: الخذلانُ العربي !

لقد تصدّرَ ثلةٌ من العلمانيين، لينوبوا عن العربِ والمسلمين والفلسطينيين في إدارةِ آخرِ فصلٍ من فصولِ المعركة ، وهو أخطرُ الفصولِ وأطولُها ، ومع ذلك كانت المساندةُ لهم فيها من الوهنِ والضعفِ، أضعافَ أضعافَ ما فيه من القوةِ والجدية ، وقد انعكسَ ذلك على الشعبِ الفلسطيني الصابرِ الصامدِ ، الذي لم يعدْ يحصي التحدياتِ والمؤامرات ، فمن يواجه ؟ وضد من يقف؟ هل يقفُ ضدَّ عدوٍ قريبٍ متربصٍ رابض ؟أم ضدَّ بعيدٍ متحفزٍ ناهض ؟ هل يشكو من جفاءَ الأولياءِ أم من غباءَ الأصدقاءِ ، أم من غيابِ الزعماء ، أم من قلةِ الشرفاءِ الأسوياءِ الجادين في التصدي للأعداء ؟!!

لقد قررتْ القمةُ العربيةُ المنعقدةُ في عمانَ في العامِ الماضي، إنشاءَ صندوقين لدعمِ انتفاضةِ الأقصى ، يحملُ الأولُ اسمَ صندوقِ القدسِ، بحيثُ يُخصصُ له مبلغُ ثمانمائةِ مليونِ دولار، لتمويلِ مشاريعَ للمحافظةِ على الهويةِ العربيةِ والإسلامية ِللقدس ، والثاني باسمِ صندوقِ انتفاضةِ القدسِ، برأسِ مالٍ قدرُهُ مئتا مليونِ دولار ، يخُصصُ للإنفاق على أسرِ الشهداءِ ، وتهيئةِ السبلِ لرعايةِ أبنائهِم، وعلى الرغمِ من أنَّ المبالغَ المقترحةَ لا توازي سُدسَ الخسائرِ المباشرةِ وغيرِ المباشرةِ، التي تكبدَها الشعبُ الفلسطينيُ بسببِ انقلابِ اليهودِ على عمليةِ السلام ، إلاَّ أنَّ الدولَ العربيةَ لم تفْ بتعهدِها في المؤتمرِ بتخصيصِ هذه المبالغِ فضلاً عن صرفهِا الفعلي ، فبعد المؤتمرِ خُفِّض المبلغُ المقررُ من مليارِ دولارٍ إلى ستمائةٍ وخمسةٍ وتسعين مليونا ، ولم تدفعِ الدولُ العربيةُ من المبلغِ المذكورِ حتى وقوعِ أحداثِ أمريكا سوى ثلاثمائةٍ وثمانيةٍ وثمانين مليونِ دولار ، وكانت الحجةُ في ذلك المنعِ، انتشارَ الفسادِ في أجهزةِ السلطةِ، فدفعَ الشعبُ الفلسطينيُّ الثمن !! ُثمَّ حدثَ شبهُ انصرافٍ عن الوفاءِ بما تقررَ في مؤتمرِ القمةِ بعد أحداثِ أمريكا، بسببِ الضغوطِ والتهديداتِ الأمريكيةِ ضدَ الدولِ العربيةِ والإسلامية، وتحذيرِ الأمريكيين لها مما أسموه (دعمَ الإرهاب ) ، فقد سارعَ اليهودُ إلى إصدار إعلانٍ أمريكيٍ باعتبارِ الجهادِ الفلسطينيِ إرهابا ، فاستجابَ الأمريكيون، وأدرجوا حركاتِ المقاومةِ المشروعةِ ضمن لائحةِ الجماعاتِ الإرهابية .

وبالرغمِ من أنَّ الأموالَ المخصصةَ في مؤتمرِ القمةِ لم تكن لدعمِ تلك الجماعاتِ وإنما لعلاجِ آثارِ العدوانِ الإسرائيلي على الشعبِ الفلسطيني، إلاَّ أنَّ ذلك لم يتمَّ حتى جاءتِ الأحداثُ الأخيرةُ لتزيدَ البلاءَ بلاءً ، ويزيدَ معهُ الخذلانُ العربيُ والإسلاميُ لذلك الشعبِ المهضومِ المظلوم ، وإضافةً إلى خذلانِ بعضِ الدولِ العربيةِ، فقد كان هُناك خذلانٌ من أكثرِ الدولِ الإسلامية، فهناك خمسُ دولٍ فقط من ضمنِ ما يزيدُ على خمسين دولةً، هي التي ساهمتْ في تنفيذِ مقرراتِ مؤتمرِ القمةِ الإسلاميِ لدعمِ الشعبِ الفلسطيني ؟!!

ومن المؤسفِ حقاً أنَّ هذا التقصيرَ على مستوى الدول ، تبعَهُ استرخاءٌ على مستوى الشعوب، فقد كان أداؤها في دعمِ الانتفاضةِ دون المستوى المطلوب، ومن الغريبِ أنه كلَّما زادتِ المحنةُ تأقلمَ الناسُ على سماعِ أخبارِها، دون مزيدٍ من التأثرِ بها ، فعلى مدى أشهرِ الانتفاضةِ الثمانيةَ عشر ، لم تتحركِ الشعوبُ إلاَّ بعد أن رأتْ العمارَ دماراً ، والدماءَ أنهاراً ، ومما يزيدُ الأسى والحزنَ أن نعرفَ أنَّ بعضَ المؤسساتِ الدوليةِ في الدولِ الأوربيةِ قدمت مساعداتٍ تفوقُ المساعداتِ العربيةَ ، وهي مساعداتٌ لم تقدمْ بداهةً للانتفاضةِ، وإنما لدعم السلطةِ الفلسطينيةِ في مسئوليتِها الشعبيةِ ، فقد قدمَ الاتحادُ الأوربيُّ مبلغَ مئتي مليونِ يورو ، ومنحةً بقيمةِ ستينَ مليونَ يورو !!

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ..

الخطبة الثانية

أيُّها الأخوةُ الفضلاء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت