لقد طفحَ الكيلُ وعمَ البلاء ، وعظمتِ المصيبةُ في فلسطينَ الحبيبة ، حرماتٌ تُنتهك ،ودماءٌ تُسفك ، وأرواحٌ بريئةٌ تُزهق ، لأطفالٍ رضع ، وشيوخٍ ونساءٍ ركع ، لقد بلغ السيلُ الزبى ، وجاوز المجرمون من اليهودِ المدى ، هدمٌ للبيوتِ على الرؤوس وحرقٌ للقرى والحقول ، و أتلافٌ للمزارع ، وضربٌ للمصانع ، وقتلٌ لكل مظاهرِ الحياةِ .
يا أمة المليار:
ماذا نحن فاعلون ، والمستهدفون إخواننا ؟!! ماذا نحن فاعلون والأرضُ المعتدى عليها أرضنا ؟!! ماذا نحن فاعلون والحرماتُ حرماتنُا والقدسُ قدسنا ، والأقصى مسجدنا، وفلسطين أمانةٌ في أعناقنا ؟!!بماذا نعتذرُ لربنا ؟! ماذا نقولُ عند سؤالنا ؟ وبأي شيء نُعذِرُ إلى اللهِ تجاهَ ديننا وأعراضنا وحرماتِنا ؟!!كيف السبيلُ والعدو هو أشدُّ الناسِ عداوةً ، ومَنْ وراءَه هم أغلظُ البشرِ قلوباً ، وأعنفهُم ضراوةً وحقداً .
إلى من نشتكي والحكامُ ساكتون ، والحكماءُ عاجزون، والعلماءُ صامتون ـ إلاَّ من رحمَ الله - والشعوبُ مخدوعةٌ بالأماني ، والجماهيرُ مستنْفَرةٌ بلا خُطة ، ومستفزةٌ إلى غير وجهه، ومنساقةٌ كما كان عهدُها دائماً إلى ثورةٍ تعقبُها غورة ، بفعلِ إعلامٍ يهيّجُها ولا يوجهُها، ويستثيرُها ولا يوظفُ قواها ، وبفعلِ أنظمةٍ تقمعُها ولا تدفعُها ،تُخِرسُها و لا تستفيدُ من شجاعتها ، تحَجِزُها عن الفداءِ والبطولةِ لتقتلَ فيها الشجاعةَ والرجولة .
يا أمةَ المليار: إننا نعيشُ واقعاً مأزوماً مهزوماً منذ أكثرَ من خمسةِ عقودٍ من الزمان ، بسببِ عدوٍ حقيرٍ ذليل ، تمثلهُ أمةً ملعونةٌ على ألسنةِ الرسل، (( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ ) )ولكن ماذا دها بعضُ المسلمين وقد أصبحوا أذلةً لهؤلاءِ الأذلاء ، يستجدون السلامَ معهم ، ويُتوِهون الوئامَ في جيرتهم ، ويستجيرون بنارهِم من الرمضاء ، ويستجيزون إرضاءَهم بإغضابِ ربِ الأرضِ والسماء ، مع أنَّ اللهَ وعدَ المسلمينَ بالنصرِ عليهم، والتمكُنِ منهم،ألم يقل الله تعالى: (( وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ) ) (سورة الحشر: 12) فما الذي جعلنا نولى الأدبارَ أمامهَم ؟ فيهزمون الجيوشَ العربيةَ في أكثرِ الحروبِ التي خاضوها معهم ، حتى أصبحَ تاريخنُا معهم نكبةً في عامِ ثمانيةٍ وأربعين ثم نكسةً في عام سبعةٍ وستين ، ثم خديعةً كبرى وإجهاضاً للنصرِ العربي في عامِ ثلاثةٍ وسبعين ، ثم غزواً واجتياحاً للبنانَ في عامِ اثنتينِ وثمانين، ثم اجتياحاً مستباحاً لما تبقى من أراضٍ للفلسطينيين في هذا العامِ الذي نعيشُه الآن؟!ماذا جرى لأمةِ الإسلام حتى يستذلَها هؤلاءِ الطغامِ اللئام، لابُدَّ لنا من وقفاتٍ نتحسسُ فيها أخطائَنا ، ونراجعُ أنفسَنا ، ونكشفُ اللثامَ عن مواضعِ ضعفنِا وسرَّ هوانِنا ، وفي الوقتِ نفسهِ ، نفتشُ عن مكامنِ القوةِ المفقودة ، والعزةِ المنشودة
الوقفةُ الأولى: كيف تعامَلْنا مع قضيةِ فلسطين ؟
لقد أجمعنا جميعاً شعوباً وحكوماتٍ على أن قضيةَ فلسطينَ هي القضيةُ المركزيةُ الأولى، التي ينبغي أن تجتمعَ حولَها الجهود، وتتكاملُ لأجلهِا الإمكانات ،وتستنفرُ لها الطاقات، ولكن الواقعَ يشهدُ أنَّ ذلك الإجماعَ الإسلاميَ العربي ، قد خرقَه وهمُ السلامِ مع اليهود ، حتى تحولتِ القضيةُ بعد أن كانت ذاتَ بُعدٍ إسلاميٍ عالمي ، إلى قضيةِ صراعٍ عربيٍ إسرائيلي، يوجَّهُه اتجاهٍ علمانيٌ لا ديني ، ثمَّ لم تلبثِ القضيةُ الكبرى أن تحولت إلى نزاعٍ فلسطيني إسرائيلي ، وهاهي الآن تكادُ تختصرُ في مسألةِ زعامةٍ وقيادة ، يرادُ من ورائهِا استبعادُ أيِّ احتمالٍ لعودٍ حميد ،وتحولٍ رشيدٍ بالقضيةِ إلى وجهتهِا الإسلامية .
لقد خدعَ العلمانيون الأمةَ دهوراً بشعاراتِهم الثوريةِ عن تحريرِ فلسطين ، كلِّ فلسطين ، وأوهموها بعدمِ التفريطِ في شبرٍ من الأرضِ، أو حبةٍ من الرمل ، ثم فاجئوها باعترافهِم لليهودِ بملكيةِ ثلثي فلسطين ، وبحقهِم في العيشِ فيها بسلام ، وذلك عندما أبرمتْ مصرُ معهم معاهدةَ كامب ديفيد، التي خرجت بمقتضاها من دائرةِ الصراعِ مع اليهود، معترفةً بهم كدولةٍ مستقلةٍ ذاتِ سيادةٍ على ما استولت عليه من أرضِ فلسطين ، ثم تتابعتْ الدولُ العربيةُ الواحدةُ تلو الأخرى في هذا الاعتراف ، حتى أصبحَ من لا يعترفُ بذلك خارجاً على الإجماعِ العربيِ، المتوجهِ بإصرارٍ حولَ ما يُسمى بـ الخيارِ الاستراتيجيِ للسلام )، وتجاهلَ هؤلاءِ أنَّ السلامَ الدائمَ والشاملَ مستحيلٌ مع قومٍ قال الله تعالى عنهم: (( كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) ) (سورة المائدة:64) .
وتناسى هؤلاءِ أنَّ اليهودَ الذي أرادوهم جيراناً وأصدقاءَ، هُم أخبثُ الألداءِ ، وأشدُّ الأعداء، (( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ) ) (سورة المائدة:82) ، نسىَّ العربُ هذا أو تناسوهُ، وساروا جادين في طريقِ السلامِ عَقْداً كاملاً من الزمان .
وتسببَ هذا الوهمُ المزعومُ عن حتميةِ السلامِ مع اليهود،ِ في حالةٍ من الاسترخاءِ على المستوى السياسي، والترهلِ على المستوي العسكري ، وعدمِ الجدِّ على المستوى الاقتصادي، والانهزامِ على المستوى الثقافي، استعداداً لعصرِ السلامِ والتطبيعِ مع أبناءِ العمومةِ !! وأصحابِ الجوار، وشركاءِ الشرقِ أوسطيةِ الجديدة ، حتى فاجأهم اليهودُ بنقضِ كلِّ العهود .
الوقفة الثانية: ماذا تغيرَ من اليهود ؟
نقولُ هُنا أيُّها الأخوةُ في الله: إنَّ الأفاعيَ قد تُغَيرُ جلدَها ، ولكن لا تتنازلُ عن السمومِ بين أنيابِها ، وما لم تُنزعْ تلك الأسنانُ أو تفرغْ تلك السموم ، فإنَّ تلك الأفاعيَ تظلُ خطراً قائماً، إنَّ اليهودَ منذُ جاءوا إلى فلسطين ، وهم يعرفون لم جاءوا ، ويعزمون على المضيِ فيما لأجلهِ قدموا ، فلماذا جاءوا ؟ وهل لا يزالونَ جادين فيما جاءوا من أجله؟
أيُّها الأخوة في الله:
إنَّ اليهودَ ما جاءوا إلى فلسطينَ إلا لأهدافٍ دينيةٍ اعتقاديه، مستمدةٍ من توراتهِم المحرفة ، وتلمودهِم المخترع ، إنهم يزعمون أنَّ نبياً لهم سيخرجُ في آخرِ الزمان، وأنَّ من واجبهِم أن يُهيئوا الدنيا لمخرجهِ، وذلك لن يتمَّ ـ كما هو مسجلٌ في كتبهِم القديمةِ والمعاصرة ـ إلاَّ بأن يعودوا إلى الأرضِ المقدسةِ التي سكنُوها أيامَ داودَ وسليمانَ- عليهما السلام- ، ثمَّ يقيموا فيها دولتَهم ، ويتخذوا في القدسِ عاصمتَهم ، ثُمَّ يتهيئون بعد ذلك لاستعادةِ قبلتِهُمُ التي كانوا عليها، والتي هُدِمت قبل ألفي عام، والتي يدعونَها بالهيكلِ الثالث، هيكلِ سليمانَ- عليه السلام- ، ذلك المعبدُ الذي يعتقدُ اليهودُ أنَّهُ كان قائماً مكانَ المسجدِ الأقصى، ولذا يعلنون في عزمٍ جازم ، وحسمٍ مُؤكد أنهم لابدَّ أن يستعيدوا بناءَهُ لإعادةِ تلك القبلةِ المنسوخةِ، التي نُسِخت بنسخِ ديانتهِم الباطلة .
أمةَ الإسلام: