فهرس الكتاب

الصفحة 8608 من 9994

أمَّا بعدُ: فقد قالَ الله تعالى: (( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) ) (54) سورة الروم, وضَّحَت هذه الآيةُ الأدوارَ التي يمرُّ بها الإنسانُ في هذهِ الحياة, فهو يخرجُ إلى الدنيا ضعيفاً واهن القُوى, ثم يأخذُ في القوةِ حتى يصيرَ شاباً قوياً (( ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ) ), ثم يأخذُ في النقصِ فيكتهلُ، ثم يشيخُ ثم يهرمُ ، (( ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ) ).

ومرحلةَ الشبابِ مرحلةٌ مهمَّةٌ في حياةِ الإنسان، لأنَّها قوةٌ بين ضعفين, ضعفُ الطفولةِ وضعفُ الشيخوخةِ, وفيها تكونُ قدرةُ المرءِ على العملِ والإنتاجِ أكبرَ من غيرها, تقولُ حفصةُ بنت سيرين: ( يا معشرَ الشبابِ اعملوا فإنِّي رأيتُ العملَ في الشباب) .

فإنَّ لم يغتنم المرءُ هذه المرحلةِ المهمةِ من حياتهِ، تقطَّعت نفسُهُ بعد ذلك حسرات, الشبابُ توثُّبُ روحٍ واستنارةُ فكرٍ , الشبابُ صحةٌ لن تعود , ونشاطٌ بالسنينَ معدود, فيه يثبتُ المرءُ نفسه, ويتزوَّدُ بالعلمِ النافعِ والعملِ الصالح, ويربِّي في نفسهِ الأخلاقَ الكريمةِ, ويجبِرها على العوائدِ الحميدةِ.

إنَّ الشبابَ وإن اكتنفتهُ من طرفيهِ المباعدين، الطفولةُ والشيخوخة, إلاَّ أنَّهُ يصعُبُ وضعُ حدودٍ زمنيةٍ لعهدهِ السعيد, فهناكَ رجالٌ وقدرةُ الشبابُ حارةٌ في دمهم وإن زادوا على الستين, أمرٌ بالمعروفِ ونهيٌ عن المنكر، قيامٌ وصيام, ذكرٌ وتسبيح, صلةٌ وإحسان, لا يفترونَ من أعمالِ الخيرِ وخصالِ البرِّ، وذلك فضلُ اللهِ يُؤتيه من يشاء، واللهُ ذو الفضلِ العظيم .

الشبابُ أخصبُ مراحلِ العمر , وأجدرُها بحسنِ الإفادةِ وعِظَمِ الإجادة , ولهذا يُحاسبُ الإنسانُ عن جميعِ حياته, ثُمَّ يُحاسبُ عن الشبابِ وحده, روى الترمذي عن النبي r أنَّهُ قال: (( لا تزولُ قدمَا ابنِ آدمَ يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمرِهِ فيمَ أفنَاه , وعن شبابِهِ فيمَ أبلاه , وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وأين أنفقَهُ , وماذا عمِلَ فيما عَلِمَ ) ). [حسنه الألباني] .

إنَّ مرحلةَ الشبابِ سلاحٌ ذو حدَّين , تحملُ في طيَّاتها عنصرَ الخير [من منبرِ رسولِ الله r للثبيتي ص 230] , وقد تتوجَّهُ إلى البرِ والخيرِ والإصلاحِ والبناءِ والتعمير, أو تتجهُ إلى عكسِ ذلكَ وتؤدِّي إلى شرٍّ كبير، وهدمٍ وتدمير, والقرآنُ العظيمُ فيه نماذجَ رفيعةً للشبابِ المؤمن، الذي سلكَ طريقهُ إلى اللهِ رُغم معوقاتٍ كثيرة, يقولُ اللهُ عزَّ وجل في سورةِ الكهف: (( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ) ) (سورة الكهف 13-14) .

وتأمَّل في قصةِ يوسف u من عفَّةٍ ومحنٍ متلاحقة، صبرَ عليها فرفعهُ اللهُ في الدنيا والآخرة وجعلهُ من المرسلين, وموسى u كذلك فهو في عنفوانِ شبابهِ، وكمالِ قوَّتهِ، يستغلُ هذه الفترةِ للإحسانِ وعملِ الخير، ومساعدةِ المُحتاجين، (( وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ) ) (سورة القصص: 23-24) .

عبَاد الله: الشبابُ لهم ماضٍ مشرقٌ في التاريخ الإسلامي, فلقد كانوا أوَّلَ الداخلين في الإسلامِ وفي الجهاد، من أوائلِ المُجاهدين, وفي العلمِ من أوائلِ المتعلمين, والفقهاءَ في الدين, إنَّهم عُدَّة المستقبل, وهُم الناسُ بعدنا, فأيُّ مستقبلٍ لأمة يُعرضُ شبابها عن طاعةِ الله , وينصرفونَ إلى اللهوِ والعبثِ, ويغرقون في الشهواتِ والملذاتِ، فيضيِّعون أنفسَهم وأمتهم عياذاً بالله .

أمَّا المستقيمُ من الشبابِ على طاعةِ ربه فيا بشراهُ بثوابهِ, قال r: (( سبعةٌ يظلُّهُمُ الله في ظلِّهِ , يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه - ومنهم- وشابٌّ نشَأَ في عبَادة الله ) ).

فمن الواجبِ علينا أفراداً ومجتمعات, علماءَ ومؤسسات, أن نُعنى بالشبابِ ونهتمَّ بتربيتهم وأن نقومَ بتشجيعِهم كما هو هدي النبي r, فقد كان يعتني بالشبابِ, يجيبُ دعوتهم، ويمشي معهم, يقولُ عبدُ اللهِ بن بسر: ( بعثني أبي إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أدعوهُ إلى الطَّعامِ فجاءَ معي ) , ويزُورُهم إذا مرضوا, عن زيدٍ بن أرقم قال: ( أصابني رَمَدٌ فعادني رسولُ الله r , ومن الخطأِ الواضحِ الانفصالُ بين الشبابِ والشيوخ, لأنَّ هذا يفوِّتُ مصالحَ عظيمةٍ, ويحولُ دُونَ استفادةِ الشبابِ ممن هُم أكثرُ منهم تجربةً للحياةِ .

فعلى الشبابِ أن يحترمُوا كبارَ السنِ, وأن يوقِّرُوهم , قال r: (( إنَّ مِن إجلالِ الله , إجلالُ ذِي الشَّيْبَةِ المسلمِ, وحامِلِ القرآنِ غيرِ الغالي فيهِ ولا الجافي عنهُ ) ).

وأن يستمعوا ما عندهم من نصائحَ وتوجيهات, وتجاربَ تفيدُ في الحياةِ, وبالمقابلِ فإنَّ كبارَ السنِ يُفترضُ أن يُشجِّعوا الشبابَ وألاَّ يحتقرُوهم, فإنَّ المرءَ بأصغريهِ قلبهِ ولسانه, وقد يكونُ عند صغيرِ السنِ من العلمِ ما ينبغي على الكبارِ أن يستفيدوا من علمه, فابنُ عباسٍ، وزيدُ بن ثابت، وأبيُّ بن كعب، ومعاذُ بن جبلٍ- رضي الله عنهم- على صِغَرِ أعمارِهم كانوا من علماءِ الصحابةِ، وممن يُفتونَ في حياة النبي r .

وسليمانُ بن داوود- عليهما السلام- قال لهُ الهُدهدُ وهو طائر: (( أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ) ) (سورة النمل:22) .

وأسامةُ بن زيدٍ أمَّرهُ النبيُّ r على جيشٍ فيه أبو بكرٍ وعمر, والحسنُ والحسين سيِّدَا شبابِ أهلِ الجنة, ومصعبُ بن عُمَير داعيةٌ شهيد , دعا الأنصارَ إلى اللهِ قبلَ قدومِ النبيِّ r إلى المدينة, هؤلاءِ عددٌ من شبابِ الصحابةِ فهم قدوةٌ وأسوةٌ لكلِّ شابٍّ حريصٍ على الخيرِ، راغبٌ في الثوابِ والأجر .

أيُّها الشَّباب:

احذروا جُلساءَ السُوء وصحبةَ البطَّالين, فإنَّ طبعكَ يسرقُ منهم وأنت لا تدري , وليس إِعْداءُ الجليسِ جليسَهُ بمقالهِ وفعالهِ فقط , بل بالنَّظرِ إليه, والنظرِ في الصورِ يورثُ في النفوسِ أخلاقاً مناسبةً لخُلُقِ المنظورِ إليه , ومن المُشاهَدِ أنَّ الماءَ والهواءَ يفسُدانِ بمجاورةِ الجيفة، فما الظنُّ بالنفوسِ البشرية .

وَلا تَجْلِسْ إِلَى أَهْلِ الدَّنَايَا فَإِنَّ خَلَائِقَ السُّفَهَاءِ تُعْدِي

ثمَّ إنَّ مَن جالسَ أصحابَ السُوءِ جرَّءُوهُ على المخدراتِ والمغامراتِ، وإهمالِ الصلاةِ وغيرَ ذلك من أعمالهم السيئات .

أيُّها الشابُ:

أنت في خطرٍ ما دُمت ذا عينينِ فاغضُضْ بصركَ عن الحرام, ولا تجلب لنفسكَ الشقاءَ والهمَّ والكدر، وتتسببُ في تشتيتِ قلبكِ وضياعِ دراستك، وخُسرانِ آخرتك , فإيَّاك إيَّاك أن تحتقرَ قليلَ النظرِ إلى الأفلامِ والقنواتِ والمجلات, فإنَّ قليلَ النظرِ كثيرُ الضرر, والسَّعيدُ من اتَّعظَ بغيره, والشقيُّ من جلبَ الشقاءَ بنفسهِ لنفسه.

أيُّها الشابُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت