فَإِن ولَدتْ فَحلاً فَمنْ طِيبِ أَصلهَا وإِنْ ولَدتْ بَغلاً فَمنْ ذَلكَ البَغلُ وذَاتُ الدِّينِ هِيَ الزَّوجةُ الصَّالحةُ والتِّجارةُ الرَّابحةْ، تَعرفُ ما لَهَا فَتَطلبهُ بِالمَعروفْ، لا تَتَجاوزُهُ ولا تَتَعداهْ، بَلْ قَد تُسامِحُ زَوجَها إِذَا قَعَدَ فِيمَا عَليهِ لَهَا، وتَغُضُّ طَرفَهَا عَن تَتَبُّعِ هَفَواتِهِ وزَلاتِهْ، و لا تُحاسِبهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ يَقعُ مِنهْ، وتَعرفُ حَقهُ عَليهَا، فَلا تَسُوءُهُ إِذَا حَضرْ، ولا تَخنُهُ إِذَا غَابْ، وهِي قُرَّةُ عَينِهْ ، تَقومُ بِتربيةِ أَولادِهِ والعِنايَةِ بِشَأنِهمْ، فَهِيَ أُمَُ شَفيقَهْ، وزَوجةٌ صَالحةْ، وأُسْتَاذٌ حَكيمْ، ورَاعٍ يَقُومُ بحَقِّ الرِّعَايةْ, ومَنْ هِيَ هَذِهِ الزَّوجةُ غَيرُ التِيْ يَحثُّ الشَّارعُ الحَكيمُ عَلى تَحصِيلهَا، ويَدعُوا عَلى مَنْ أَرَادَ غَيرَها وطَلبَ سِواهَا؟ هِيَ ذَاتُ الدِّينِ لا بَاركَ اللهُ لِمَنْ يَزهدُ فِيهَا، ويَرغَبُ عَنها، ويَراهَا غَيرَ صَالحةْ.
ولَيسَ مَعنَى ذَلكَ أَنَّ مَطلبَ الجَمالِ لَيسَ مَقْصُوداً، وإِنَّمَا المُرادُ ألاَّ يَقْتَصِرَ عَليهِ الزَّوجُ فِي طَلبِ الزَّواجْ، أَو أَنْ يَجْعلَهُ أَكبرَ هَمِّهْ، وإلاَّ فَإِنَّ للجَمالِ اعْتِبارُهُ كَمَا يَتَّضحُ مِنْ حَديثِ: )) انْظرْ إِليهَا فَإنَّهُ أَحرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَينكُمَا (( .
وَختَاماً صَلوْا وَسَلِمُوْا عَلَىْ خَيْرِ الْوَرىْ, مُحمدٌ المُصطفَىْ، الْلَهُمَ صَليْ عَلىْ مُحمدٍ عَبدِكَ وَنَبيكَ وَرسُولكَ النَبيٍ الأُميٍ، وعَلىْ آلهِ وَصحبِهِ وَسلمْ تَسْليماً كَثيراً إِلىْ يَومِ الدِينْ، وَأَرضَ اللَهُمَ عَنْ سَادتِنا أَبِيْ بَكرٍ وعُمرٍ وَعُثمانٍ وَعَليٍ، وَعَنْ الصَحابةِ أَجمَعينْ وَعَن التَابِعِينَ وَمَنْ تَبعهمْ بِإِحسانٍ إِلىْ يَومِ الدِينْ.
أَيهاْ النَاسْ:
إِنَّ اللهَ يَأمركُمْ بِثلاثٍ فَاتَبعوهَا، وَينَهاكُم عَنْ ثَلاثٍ فاجْتنِبوهَا، إِنَّ اللهَ يَأْمركُمْ بِالعَدلِ وَالإِحْسانِ، وَإِيتاءِ ذِيْ القُربَىْ، وَيَنهَاكُمْ عَن الفَحشَاءِ وَالمُنكرِ وَالبَغيِ يَعِضُكمْ لَعَلكمْ تَذكرونْ، فَاذكرُوا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكركُمْ وَاشْكروهُ عَلىْ نِعمهِ يَزِدكُمْ وَلَذِكرُ اللهِ أَكبرُ واللهُ يَعلمُ مَا تَصنعُونْ.
المعوِقون
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار
أيَّها المسلمون:
فعلى الرغمِ من ابتعادِ المسلمين عن دينهم, و سيطرة الشهواتِ على نفوسهم, وفقدانهم الحماسَ و الغيرةَ للإسلام, وعلى الرغمِ من تكالبِ الأعداءِ من كلِّ حدبٍ وصوب, يرمونهم من قوسٍ واحدة, على الرغم من ذلك كلهِ فإنَّهُ لا تزالُ طائفةٌ من أمةِ محمد- صلى الله عليه و سلم- على الحق ظاهرين, لا يضرهم من خالفهم, ولا من خذلهم, فظهرَ الدُعاة والمصلحون, والوعاظُ والمرشدون, يُحاولون إعادةَ الشاردين, ويبثُون الأملَ في النفوسِ بحتميةِ انتصارِ هذا الدين, ويكشفونَ مُخططاتِ الكفارِ وألاعيبهم, و يفضحُون دسائسَ المنافقين و شُبها تُهم, ولقيّ كثيرٌ من أُولئكَ الدُعاةِ والمصلحين ألواناً من الأذى والتنكيل, على أيدي أعدائِهم من الكفار, وخدَّام الكفار, و ليس هذا بغريب, ولا بجديدٍ في طريق الدعوة, فاللهُ جلَّ جلاله يقول: (( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) ) (البقرة: من الآية217) .
و يقول سبحانه: (( آلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ) (العنكبوت:3,2,1) .
أقولُ ليسَ هذا بغريبٍ على المسلمِ الذي يقرأُ أمثالَ هذه الآيات, و لكنَّ الغريبَ المؤسف, أن يتصدى لأولئكَ المصلحينَ أُناسٌ يدفعهم الجهل, أو الخبثُ إلى توهينِ العزائم, وإشاعةِ اليأسِ في النفوس, فيقُولُون لمن ينشرُ الدعوةَ إلى الله, و الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر, هل يصلحُ العطَّارُ ما أفسد الدهرُ ؟ لقد اتسع الخرقُ على الراقع, من أنت حتى تُصلح الكون ؟ ومن أنت حتى تواجهُ التيار؟ و تحجبُ الشمس بعباءتك ؟ لقد ذهبَ الإسلامُ مع أبي بكرٍ وعمر إلى غير ذلك ؟ من العباراتِ المرة , والسمِّ الزُعاف, بل إنَّهم قد يستعملون نصوصاً في غيرِ مواضعها, إمعاناً في التيئيسِ و التخذيل, كالاستشهادِ بحديثِ أنسٍ- رضي الله عنه-: (( اصبروا فإنَّهُ لا يأتي زمانٌ إلاَّ والذي بعدهُ شرٌ منه حتى تلقوا ربكم ) ) [1] ز
سمعتُ هذا من نبيكم r فيقولون: مافائدةُ الدعاةِ إذاً, والنتيجةُ معلومةً معروفة, فلنقتصرُ على بعضِ جوانبِ الإسلامِ في أنفسنا, في هذا الزمانِ البائس, ويحتجُون أيضاً بقولهِ- عليه الصلاة و السلام-: (( بدأ الإسلام غريباً و سيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء ) ) [2] .
فينسون أو يتناسون آخرَ الحديث, وهو قولهُ- عليه الصلاة السلام- فطُوبى للغرباءِ الذين يُصلحون ما أفسدَ الناس, كما ينسى أولئكَ المغفلون, أنَّهم بهذهِ العقليةِ المتخلفة, وبهذا الفهمِ السقيم, يُشاركُون في تعويقِ مسيرةِ الدعوة, وينصرونَ الهوى والشيطانَ في نفوسِ أولئكَ المُشمرين للدعوة, وليتَ أولئكَ المُعوقون حين تخلفوا عن القيامِ بالواجبِ, وقعدوا في بُيُوتهم, ليتهم كفُّوا شرهم, وألسنتهم عن ذاكَ التعويقِ و التخذيل, و في أمثالِ هؤلاءِ يقول الله تعالى: (( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ) ) (الأحزاب:19,18) .