رابعاً: ولكن هذا الكيدُ والمكرُ مهما بلغَ شانُهُ واجتمع لهُ الخصومُ من كلِ صوبٍ فليس طليقاً، بل هو مقيدٌ بقدرِ الله، ومحاطٌ بمشيئتهِ سبحانه، (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) ) (سورة الأنعام:112) .
إنَّهُ لا ينطقُ كما يشاءُ بلا قيدٍ ولا ضابطٍ، ولا يصيبُ من يشاءُ بلا معقبٍ ولا رادع، وإنَّ الأعداءَ مهما بلغت قوتُهم ورادتُهم، فهي مقيدةٌ بمشيئةِ اللهِ ومحدودةً بقدرِ الله .
وهُنا يتعلقُ المؤمنُ باللهِ، ويُسلي نفسهُ موقناً بأنَّ القوةَ للهِ جميعاً، وأنَّ الخلقَ مهما صنعوا فهُم لا يشاءُون إلاَّ أن يشاءَ الله، فيعتصمُ المؤمنُ باللهِ وحده، ويتوكلُ عليهِ وحده، ويخافُ منهُ وحده، ويرجوهُ وحده، مع فعلِ الأسبابِ والأخذِ بسبُل النجاة .
خامساً: والماكرونَ لهم عذابٌ شديد، ومكرُهم يبور، (( وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) ) (سورة فاطر:10) .
قال أبو العالية: هُم الذين مكروا بالنبي- صلى الله عليه وسلم- لما اجتمعوا في دارِ الندوة، ( تفسير القرطبي ) [ 14/ 332] .
ونهايةُ مكرِهم ففي تباب، واللهُ يُدافع عن أوليائهِ المؤمنين، ويحفظُهم من مكرِ الماكرين، وهذهِ قريشٌ تجتمعُ وتخططُ وتدبرُ المكائدَ، وتصنعُ المؤامراتِ لإنهاءِ الرسولِ- صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ يُبطلُ اللهُ كيدَهم، ويُفشلُ مخططهم، ويُوحي إلى نبيهِ- صلى الله عليه وسلم- بما تأمروا به، (( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ) (سورة الأنفال:30) .
سادساً: المكرُ السيئُ يحيقُ بأهله، (( وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) ) (سورة فاطر: 43) .
وفي أمثالِ العربِ: ( من حفرَ حفرةً لأخيهِ وقعَ فيه مُنكبّاً) .
وروى الزهريُ، أنَّ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم- قال: (( لا تمكروا ولا تعن ماكراً فإنَّ الله تعالى يقول ) ): (( وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) ) (سورة فاطر:43) .
[ تفسير القرطبي 14/ 260] .
وربُك يُمهل الظالمَ حتى إذا أخذه لم يُفلته: (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) ) (سورة هود:102) .
سابعاً: والعاقبةُ للمكر والماكرين، هي الهلاكُ والتدميرُ عاجلاً في الدنيا ومؤجلاً في الآخرة، (( فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ) (سورة النمل:52) .
أجل لقد تجاوزَ التدميرُ التسعةَ الرهطِ المفسدين إلى قومهم أجمعين: وكذلك يحيطُ عذابَ اللهِ بالمفسدين والمتعاونين, والساكتين الراضين، 0 (( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) ) (سورة الأنعام:132) .
أيُّها المسلمون: ومن تأملَ في آياتِ القرآنِ وجدهُ يَعرضُ عن أممٍ مَكرت فحلّت بها عقوبةُ الله في الدنيا ، وما ينتظرُها في الآخرةِ أشدّ وأخزى ، وهذا محمدٌ- صلى الله عليه وسلم- يُسلى ويسرى عنهُ ويُصّبر على مكرِ قريشٍ بمكرِ الأمم الماضية ومصيرِهم، ويقول تعالى: (( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ) ) (سورة النحل:26) .
نعم لقد مكرَ الذين من قَبْل قريش، ومكرت قريش، ومكرَ من بعد قريش، وما يزالُ المكرُ سارياً، (( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ ) ) (سورة النحل:26) .
فانهدم عليهم البنيانُ الذي شيَّدوه، وكان مقبرةً لهم، وآتاهُم العذابُ من حيثُ لا يشعرون، وكذلك يَحيقُ المكرُ السيئُ بأهله، وتلك سنةُ اللهِ مع جميعِ الماكرين، (( وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) ) (سورة الرعد:42) .
أخوةَ الإيمان: وقد يُزينُ للماكرينَ مكرُهم ، وقد يغترُ المُبطلون بباطلهم، ولكن ذلكَ لا يُلغي حقيقةً قرآنيةً بأنَّهم هؤلاءِ الماكرين، (( وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ ) ).
وبأنَّهم ضالون عن الطريقِ الحق، ومن يُضللِ اللهُ فما لهُ من هاد، اسمع إلى ذلك كلَّهُ في قوله تعالى: (( بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) ) (سورة الرعد:33) .
والنتيجةُ المرتقبةُ لهؤلاء: (( لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ ) ) (سورة الرعد:34) .
فهم إن أصابتهم قارعةٌ فيها، أو حلت قريباً من دارهم فهو الرعبُ والقلقُ والتوقعُ، وإلاَّ فجفافُ القلبِ من نورِ الإيمانِ عذاب، وحيرةُ القلبِ بلا طمأنينةِ الإيمان عذاب ، ومواجهةُ كل حادثٍ بلا إدراكٍ للحكمةِ الكبرى وراءَ الأحداثِ عذاب، (( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ ) ) (سورة الرعد:24 ) ( في ظلال القرآن 4/2063 ) .
أيُّها المؤمنونَ الصادقون في إيمانِهم، فقد ينَالُهم بأسٌ من مكرِ الماكرين ، وقد يتعرضونَ الأذى من كيد الكائدين ، وذلك ليبتلي المؤمنينَ ويُمحصهم، ويمحقُ الكافرين، ويكشفُ المنافقين، إنَّها البأساءُ والضراءُ ، يمتحنُ بها المسلمونَ للثباتِ على الإسلام وإن هُوجِمَ، وللصبرِ على الحقِّ وإن طردوا، وعُدَّ الفتنةُ بالباطلِ و إن علت رايتُهُ فترةً من الزمن ، والنصرةُ للمسلمينَ وإن كانوا قلةً مُضطهدون .
إنَّ ممَّا يسلي المؤمنين ويُصبِرهم ويُكثِّر قلتهم، ويُقوي ضعفَهم، أنَّهم لا يخوضُون المعركةَ مع الكافرينَ وحدَهم ، بل اللهُ معهم، وهو حسيبُهم وناصرُهم، والمدافعُ عنهم والمنتقمُ من أعدائهم ، تجدونَ مصداقَ ذلك في عددٍ من آياتِ القرآن: (( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ) ) (سورة التوبة:14) .
(( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ) (سورة الأنفال:17) .
ثم قال بعدها: (( ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ) ) (سورة الأنفال:18) .
(( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) ) ( الحج: 38، 39) .